قصه  رواها حويد المرشدي في جريدة عكاظ ..

كان محيا بن رباح العتيبي رجلاً قتر عليه الدهر رزقه وضيق عليه الحال ورغم ذلك كان مشهوراًبالكرم معروفاً بالجود .. ومن ابتلاء الدهر عليه أنه تزوج بأمرأه لديها المال لكنها تفتقد الخلق الكريم وتمتلىء نفسها بالشح , وكانت كلما حل عليهم ضيوف وأراد محيا ان يكرمهم بذبح إحدى الماعز التي تمتلكها زوجته ثارت عليه وارتفع صوتها وقالت له بعضاً من خشن الكلام حتى يسمع الضيوف ويقع محيا في الحرج .

وذات يوم نزل عليه ضيوف أعزاء لهم في نفسه شأن وخشي أن يتكرر على مسامعهم مايحدث مع غيرهم , فاحتال على زوجته وناداها قائلاً ( أذهبي إلى والدك فاطلبي منه شاة نذبحها لضيوفنا بدلاً من الماعز التي ( تثغي ) أي يسمع صوتها عند الذبح فيسمعها ضيوفها , وسوف أعوضه عنها في القريب العاجل أن شاء الله .

وعندما وصلت الزوجه إلى والدها الذي هو في نفس الوقت عم محيا , ويبعد عن منزله حوالي عشرة كيلوات , حكت له ماكان من أمر محيا وأبلغته مطلبه .., وكان رجلاً ذكياً لماحاً إذ أدرك بفطرته وذكائه مايقصده محيا .., إذ أنه كان يعني أن زوجته هي التي سيعلو صوتها عند الذبح وليست الماعز .., ووقف على ماتسببه ابنته من حرج دائم فقال لها : أبقي هنا وسوف يتدبر محيا نفسه ..
ثم أرسل الى محيا يطلب تطليقه ابنته التي هي زوجة محيا .., وعزم عمه أن يزوّجه أخت لها استحوذت على قدر كبير من الجمال والعقل .. والخلق الرفيع , وكان يمنع الخطاب عنها , حتى يجد من يأنس فيه الرجوله , ولم يجد أمامه أفضل من محيا , وهذا ماكان من أمر الرجل .. أما أما محيا فقد طلق زوجته وعند نهاية العده تزوج من أختها .
وأراد أن يشكر عمه

فأنشد هذه الأبيات ..

الله خلقني واعتنى بي عن الضيقوالفقر عن سلـم العـرب ماحدانـي
ماقط مني راح ضيفي علـى الريـقولا شان وجهي يوم شان الزمانـي
والله رمانـي فـي خـيـار المطالـيـقاللـي عطيـتـه عـنـز وهــو عطـانـي
عطاني اللي به كثير الذهب سيقبنـت الشيـوخ اللـي تـعـز العـوانـي
الله موفقـهـا عـلـى الخـيـر تـوفـيـقلاغبت عن بيتي عليها الـف امانـي
--------------------------------------------------------------------------------------------------------

هذه القصة جرت أحداثها في بداية القرن الثالث عشر الهجري فتاة كان لها ابن عم عاشا معا في بيت واحد منذ عهد الطفولة وعندما كبرا فصار ابن العم فتاً وأصبحت هي فتاة في زهرة شبابها ما كان من أبويهما إلا أن عقدا القران لهما بعد أن لمسا الرغبة عند كل منهما بالاقتران بصاحبه ، وكان موسم الحج على الأبواب فأجلا الزواج إلى ما بعد الحج
وعندما عزم الفتى على الحج ليكون الزواج مقرونا بهذه الشعيرة المباركة ذهب الفتى مع ركب الحجاج على أكوار مطاياهم وقدر الله عليه فمات بعد أداء فريضة الحج ...وعاد الحجاج وعندما اقتربوا من البلد وهم يعرفون مقدار حب خطيبته له ، فلم يريدوا أن يواجهوها بالخبر دفعة واحدة خشية على حياتها أو أن تصاب بأذى ولذلك انقسموا إلى مجموعتين وبين وصول المجموعة الأولى والثانية حوالي ساعة وجعلوا مطيته مع المجموعة الثانية حتى إذا وصلت المجموعة الأولى أخبروها أن خطيبها مع المجموعة الثانية مما قد يخفف وقع الصدمة عليها لكن إحساسها كان أقوى من تصورهم وأدق من حساباتهم ، فعندما قيل لها إن خطيبك مع المجموعة الثانيةوقع الخبرعليها وقعا مؤلما وتوقعت أن به أمرا فلو كان على قيد الحياة لجاء مع المجموعة الأولى وذلك للاشتياق الذي تعرفه فيه ،وكان عندها نسوة يطحن الحب على الرحى فقالت لإحداهن :دعيني أطحن عنك وجلست على الرحى ورفعت صوتها بهذه الأبيات التي تعبر بها عن مكنون صدرها :

عسى حرم ربي من الوبل يسقيه .......................يرفع عنه ما يكرهون العبـادي

حيث إن زمل صويحبي بركن فيه....................مرحوم ياللي له هوينا الحـدادي

من أولن ما هو ببالي ولا أطريه.....................واليوم ما له في ضميري ملادي

ثم سقطت على الأرض مغمي عليها فأسرعت النسوة برشها بالماء البارد حتى أفاقت ،

وجلست في مكانها حتى جاءت المجموعة الثانية ورأت مطية خطيبها.

ليس عليها أحد فتحققت من موته فجثت على مركب الرحى مرة ثانية ورفعت صوتها بالأبيات التالية :



عـلـم لـفـى عـن مـغـزل الـعـيـن شـنـاع...............نـقـض عـلـي الـلـي بـقـى مـن جـروحـي

حـلـلـت يـا زيـن الـحـلايــا والأطـبــاع...............حـلـن يـخـفـف عـنـك يــا روح روحــي

لـو هـو مـع الـحـيـيـن يـشـرى ويـنـبـاع...............لا أسـوق بــه مـالــي وأفــادي بـروحــي

مـار إنـهـم حـطـوه فـي صـحـصـح الـقـاع...............وحـطـوا عـلـى قـبـره رســوم تـلـوحــي

ثم سقطت على الأرض للمرة الأخيرة وصعدت روحها إلى بارئها مع كلمات آخر بيت

 

-----------------------------------------------------------

قتيل الحب..
قال الثوري حدثني جبلة بن الأسود قال : خرجت في طلب إبل لي ضلت ، فما زلت في طلبها إلى أن أظلم الظلام وخفيت

الطريق فسرت أطوف وأطلب الجادة فلا أجدهما فبينما أنا كذلك إذ سمعت صوتاً حسناً بعيداً وبكاء شديداً فشجاني

حتى كدت أسقط عن فرسي ، فقلت لأطلبن الصوت ولو تلفت نفسي فما زلت أقرب إليه إلى أن هبطت وادياً

فإذا راعٍ قد ضم غنماً له إلى شجرة وهو ينشد ويترنم

وكنت إذا ما جئت سعدى أزورهـا
...................... أرى الأرض تطوي لي ويدنو بعيدها
من الحفرات البيـض ود جليسهـا
.......................إذا ما انقضت أحدوثـة لو تعيدهـا

قال، فدنوت منه وسلمت عليه فرد السلام وقال: من الرجل؟ فقلت: منقطع به الممالك أتاك يستجير بك ويستعينك،

قال: مرحباً وأهلاً انزل على الرحب والسعة فعندي وطاء وطئ وطعام غير بطيء فنزلت فنزع شملته وبسطها تحتي

ثم أتاني بتمر وزبد ولبن وخبز ثم قال: اعذرني في هذا الوقت فقلت والله إن هذا لخير كثير

فمال إلى فرسي فربطه وسقاه وعلفه فلما أكلت توضأت وصليت واتكأت فإني لبين النائم واليقظان إذ سمعت حس شيء
وإذا بجارية قد أقبلت من كبد الوادي فضحت الشمس حسناً فوثب قائماً إليها وما زال يقبل الأرض حتى وصل إليها

وجعلا يتحادثان فقلت هذا رجل عربي ولعلها حرمة له، فتناومت وما بي نوم فما زالا في أحسن حديث ولذة مع شكوى

وزفرات إلا أنهما لا يهم أحدهما لصاحبه بقبيح فلما طلع الفجر عانقها وتنفسا الصعداء وبكى وبكت

ثم قال لها: يا ابنة العم سألتك بالله لا تبطئي عني كما أبطأت الليلة، قالت: يا ابن العم أما علمت أني أنتظر الواشين

والرقباء حتى يناموا ثم ودعته وسارت وكل واحد منهما يلتفت نحو الآخر ويبكي،

فبكيت رحمة لهما وقلت في نفسي والله لا أنصرف حتى استضيفه الليلة وأنظر ما يكون من أمرهما

فلما أصبحنا قلت له: جعلني الله فداءك الأعمال بخواتيمها وقد نالني أمس تعب شديد فأحب الراحة عندك اليوم،

فقال: على الرحب والسعة لو أقمت عندي بقية عمرك ما وجدتني إلا كما تحب ثم عمد إلى شاة فذبحها

وقام إلى نار فأججها وشواها وقدمها إلي فأكلت وأكل معي إلا أنه أكل أكل من لا يريد الأكل،

فلم أزل معه نهاري ذلك ولم أر أشفق منه على غنمه ولا ألين جانباً ولا أحلى كلاماً إلا أنه كالولهان ولم أعلمه بشيء

مما رأيت فلما أقبل الليل وطأت وطائي فصليت وأعلمته أني أريد الهجوع لما مر بي من التعب بالأمس،

فقال لي: نم هنيئاً، فأظهرت النوم ولم أنم فأقام ينتظرها إلى هنيهة من الليل فأبطأت عليه فلما حان وقت مجيئها قلق قلقاً

شديداً وزاد عليه الأمر فبكى ثم جاء نحوي فحركني فأوهمته أني كنت نائماً فقال: يا أخي،

هل رأيت الجارية التي كانت تتعهدني وجاءتني البارحة، قلت: قد رأيتها،

قال: فتلك ابنة عمي وأعز الناس علي وإني لها محب ولها عاشق وهي أيضاً محبة لي أكثر من محبتي لها،

وقد منعني أبوها من تزويجها لي لفقري وفاقتي وتكبر علي فصرت راعياً بسببها فكانت تزورني في كل ليلة وقد حان

وقتها الذي تأتي فيه واشتغل قلبي وتحدثني نفسي أن الأسد قد افترسها ثم أنشد يقول :

ما بال مية لا تأتـي كعادتهـا ..................... أعاقها طرب أم صدها شغـل
نفسي فداؤك قد أهللت بي سقماً ...................تكاد من حرة الأعضاء تنفصل

قال : ثم انطلق عني ساعة فغاب وأتى بشيء فطرحه بين يدي فإذا هي الجارية قد قتلها الأسد وأكل أعضاءها وشوه

خلقتها ثم أخذ السيف وانطلق فأبطأ هنيهة وأتى ومعه رأس الأسد فطرحه ثم أنشد يقول :

ألا أيهـا الليـث المـدل بنفسـه ....................... هلكت لقد جريت حقاً لك الشـرا
وخلفتني فرداً وقد كنـت آنسـاً ........................وقد عادت الأيام من بعدها غبرا

ثم قال : بالله يا أخي إلا ما قبلت ما أقول لك فإني أعلم أن المنية قد حضرت لا محالة فإذا أنا مت فخذ عباءتي هذه فكفني

فيها وضم هذا الجسد الذي بقي منها معي، وادفناني في قبر واحد وخذ شويهاتي هذه وجعل يشير إليها فسوف تأتيك امرأة

عجوز هي والدتي فاعطها عصاي هذه وثيابي وشويهاتي وقل لها مات ولدك كمداً بالحب فإنها تموت عند ذلك فادفنها إلى

جانب قبرنا وعلى الدنيا مني السلام، قال: فوالله ما كان إلا قليل حتى صاح ووضع يده على صدره ومات لساعته،

فقلت: والله لأصنعن له ما أوصاني به فغسلته وكفنته في عباءته وصليت عليه ودفنته ودفنت باقي جسدها إلى جانبه

وبت تلك الليلة باكياً حزيناً فلما كان الصباح أقبلت امرأة عجوز وهي كالولهانة فقالت لي : هل رأيت شاباً يرعى غنماً فقلت

لها : نعم، وجعلت أتلطف بها ثم حدثتها بحديثه وما كان من خبره فأخذت تصيح وتبكي وأنا ألاطفها إلى أن أقبل الليل

وما زالت تبكي بحرقة إلى أن مضى من الليل برهة فقصدت نحوها فإذا هي مكبة على وجهها وليس لها نفس يصعد ولا

جارحة تتحرك فحركتها فإذا هي ميتة فغسلتها وصليت عليها ودفنتها إلى جانب قبر ولدها وبت الليلة الرابعة فلما كان

الفجر قمت فشددت فرسي وجمعت الغنم وسقتها فإذا أنا بصوت هاتف يقول :

كنا على ظهرها والدهر يجمعنا .................... والشمل مجتمع والدار والوطن
فمزق الدهر بالتفريـق ألفتنـا ...................وصار يجمعنا في بطنها الكفن


قال : فأخذت الغنم ومضيت إلى الحي لبني عمهم فأعطيتهم الغنم وذكرت لهم القصة فبكى عليهم أهل الحي بكاء شديداً ثم مضيت إلى أهلي وأنا متعجب مما رأيت في طريقي

--------------------------------------------

هذه الحكاية مجهولة الأبطال , وذلك نظراً لمضي وقت طويل عليها أو لأن أبطالها ليسوا من المشهورين كالأمراء والفرسان والذين يحرص على أسمائهم قبل حكايتهم . . يقول الراوي كان هناك رجل بالبادية متزوج من امرأة ليست من قبيلته , بل كان من قبيله أخرى مجاورة لقبيلته . . ومرت عليه فترة سنه هو وزوجته يعيشان بأحسن حال . . وقد اختلفت القبيلتان وحصل بينهما نزاع وكان زوجها طرفاً فيه . . وكان اخوتها من الجهة المقابلة أطرافاً بهذا النزاع واشتدت الأزمة بين طرفي النزاع مما حدا بإخوان الزوجة أن يأخذوها ليلاً من بيت زوجها نكالاً له . . وهي لم تكن راضية بفراقها لزوجها وكذلك زوجها الذي كان يحبها حباً كبيراً أيضاً . . ومرت فترة طويلة بعض الشيء على فراق الزوجين والكل منهم كان يريد الآخر ولكن النزاع الحاصل حال بينهما ضاقت الأرض بالزوج , فهو يريد زوجته ولا سبيل لوصوله إليها , ففكر بطريقة . .  أن أرسل إليها إحدى عجائز القبيلة تبلغها برغبته بلقائها . . . ورسم لها خطه للقاء . .وبالفعل ذهبت العجوز للزوجة وأبلغتها بذلك فرحبت الزوجة بالفكرة ولما كانت الليلة الموعودة حيث كان الوعد بينهما بعد غياب القمر جاء الزوج للمكان المتفق عليه وكمن بحيث لا يراه أحد . . ثم أخذ بالعواء كعواء الذيب ثلاث مرات متتابعة . .عرفته الزوجة حيث كانت تعلم بالخطة سلفاً وذهبت إليه وجلسا بعد طول الفراق يشكو كل منها حاله للآخر بعد الفراق حتى إذا ما جاء الفجر افترقا وعاد كل منهما لقبيلته مضى على هذا اللقاء فترة أشهر . ويقسم الله سبحانه أن تحمل المرأة من زوجها كنتيجة لذلك اللقاء . ويكبر بطنها فيراه أخوها ويهددها بالقتل فمن أين لها بهذا الحمل وقد فارقت وزجها منذ فترة طويلة ولم تكن حاملاً ؟؟؟
فأعلمت شقيقها بحقيقة ما حصل بينهما وبين زوجها ووصفت له المكان وأعلمته بكل ما جرى .. فقال الأخ سأذهب أنا لزوجك وأتأكد من حقيقة ما حصل فإن لم يكن صحيحاً فليس لك عندي غير السيف ولم تكن القبيلتان على وفاق فكيف يذهب . .

فكر الأخ واهتدى إلى طريقة . . . فلما جن الليل تنكر وذهب إلى قبيلة زوج أخته ودخل مجلسه وجلس ولم يعرفه أحد . . .

ولما سكت المجلس تناول الربابة وأخذ يغني عليها :

يا ذيـب يللـي تالـي الليـل عويـت....................... ثلاث عوياتـن على سـاق وصـلاب

سايلـك بالله عقبـها ويـش سويـت........................ يوم الثـريا راوسـت القمـر غـاب

وغنى هذه الأبيات على الربابة ثم توقف ووضع الربابة مكانها وعاد إلى مكانه . فعرف الزوج أن هذا أخو زوجته وفهم أن زوجته حامل كعادة البدوي سرعة اللمح وشدة الذكاء . فتقدم وتناول الربابة وأجاب

أنا أشهـد إني عقـب جوعي تعشيـت..................... وأخـذت شاة الذيب من بين الاطنـاب

على النقـا وإلا الـردى ما تهقويـت...................وادو حلالـي يـا عريبيـن الأنسـاب


فلما فرغ الزوج من أبياته فهم الأخ أن أخته كانت روايتها صحيحة وانسحب بدون كلام . .وفي الصباح أعادوا له زوجته ..

----------------------------------------------------

أعوذ بعدلك يا أمير المؤمنين من جور مروان
ذكر أنّ معاوية بن أبي سفيان جلس ذات يومٍ بمجلسٍ كان له بدمشق على قارعة الطّريق، وكان المجلس مفتّح الجوانب لدخول النّسيم، فبينما هو على فراشه وأهل مملكته بين يديه، إذ نظر إلى رجلٍ يمشي نحوه وهو يسرع في مشيته راجلاً حافياً، وكان ذلك اليوم شديد الحرّ، فتأمّله معاوية ثمّ قال لجلسائه: لم يخلق الله ممّن أحتاج إلى نفسه في مثل هذا اليوم. ثمّ قال: يا غلام سر إليه واكشف عن حاله وقصّته فوالله لئن كان فقيراً لأغنينّه، ولئن كان شاكياً لأنصفنّه، ولئن كان مظلوماً لأنصرنّه، ولئن كان غنياً لأفقرنّه. فخرج إليه الرسول متلقياً فسلّم عليه فردّ عليه السّلام. ثمّ قال له: ممّن الرّجل؟ قال: سيّدي أنا رجلٌ أعرابيٌّ من بني عذرة، أقبلت إلى أمير المؤمنين مشتكياً إليه بظلامةٍ نزلت بي من بعض عمّاله. فقال
له الرّسول: أصبحت يا أعرابي؟ ثمّ سار به حتّى وقف بين يديه فسلّم عليه بالخلافة ثمّ أنشأ يقول:
معاوي يا ذا العلم والحلم والفضل    -------    ويا ذا النّدى والجود والنّابل الجزل
أتيتك لمّا ضاق في الأرض مذهبي   --------   فيا غيث لا تقطع رجائي من العدل
وجد لي بإنصافٍ من الجّائر الذي    --------   شواني شيّاً كان أيسره قتلي
سباني سعدى وانبرى لخصومتي    --------    وجار ولم يعدل، وأغصبني أهلي
قصدت لأرجو نفعه فأثابني    ----------     بسجنٍ وأنواع العذاب مع الكبل
وهمّ بقتلي غير أن منيّتي  ----------     تأبّت، ولم أستكمل الرّزق من أجلي
أغثني جزاك الله عنّي جنّةً   -----------   فقد طار من وجدٍ بسعدى لها عقلي

فلمّا فرغ من شعره قال له معاوية: يا إعرابي إنّي أراك تشتكي عاملاً من عمّالنا ولم تسمعه لنا! قال: أصلح الله أمير المؤمنين، وهو والله ابن عمّك مروان بن الحكم عامل المدينة. قال معاوية: وما قصّتك معه يا أعرابي. قال: أصلح الله الأمير، كانت لي بنت عمٍّ خطبتها إلى أبيها فزوّجني منها. وكنت كلفاً بها لما كانت فيه من كمال جمالها وعقلها والقرابة. فبقيت معها يا أمير المؤمنين، في أصلح حالٍ وأنعم بالٍ، مسروراً زماناً، قرير العين. وكانت لي صرمةً من إبلٍ وشويهات، فكنت أعولها ونفسي بها. فدارت عليها أقضية الله وحوادث الدّهر، فوقع فيها داءٌ فذهبت بقدرة الله. فبقيت لا أملك شيئاً، وصرت مهيناً مفكّراً، قد ذهب عقلي، وساءت حالي، وصرت ثقلاً على وجه الأرض. فلمّا بلغ ذلك أباها حال بيني
وبينها، وأنكرني، وجحدني، وطردني، ودفعها عنّي. فلم أدر لنفسي بحيلةٍ ولا نصرةٍ. فأتيت إلى عاملك مروان بن الحكم مشتكياً بعمّي، فبعث إليه، فلمّا وقف بين يديه، قال له مروان: يا أيّها الرّجل لم حلت بين ابن أخيك وزوجته؟ قال: أصلح الله الأمير، ليس له عندي زوجة ولا زوجته من ابنتي قط. قلت أنا: أصلح الله الأمير، أنا راضٍ بالجّارية، فإن
رأى الأمير أن يبعث إليها ويسمع منها ما تقول؟ فبعث إليها فأتت الجّارية مسرعةً، فلمّا وقفت بين يديه ونظر إليها وإلى حسنها وقعت منه موقع الإعجاب والاستحسان، فصار لي، يا أمير المؤمنين خصماً وانتهرني، وأمر بي إلى السّجن. فبقيت كأني خررت من السّماء في مكانٍ سحيقٍ، ثمّ قال لأبي بعدي: هل لك أن تزوّجها منّي، وأنقدك ألف دينارٍ، وأزيدك
أنت عشرة آلاف درهمٍ تنتفع بها، وأنا أضمن طلاقها؟ قال له أبوها: إن أنت فعلت ذلك زوّجتها منك.
فلمّا كان من الغد بعث إليّ، فلمّا أدخلت عليه نظر إليّ كالأسد الغضبان، فقال لي: يا أعرابي طلّق سعدى. قلت: لا أفعل. فأمر بضربي ثم ردّني إلى السّجن، فلمّا كان في اليوم الثّاني قال: عليّ بالأعرابي. فلمّا وقفت بين يديه، قال: طلّق سعدى. فقلت: لا أفعل. فسلّط عليّ يا أمير المؤمنين خدّامه فضربوني ضرباً لا يقدر أحدٌ على وصفه، ثمّ أمر بي إلى السّجن؛ فلمّا كان في اليوم الثّالث قال: عليّ بالإعرابي، فلمّا وقفت بين يديه قال: عليّ بالسّيف والنّطع وأحضر السيّاف، ثمّ قال: يا أعرابي، وجلالة ربّي، وكرامة والدي، لئن لم تطلّق سعدى لأفرّقنّ بين جسدك وموضع لسانك. فخشيت على نفسي القتل فطلّقتها طلقةً واحدةً على طلاق السّنّة، ثمّ أمر بي إلى السّجن فحبسني فيه حتّى تمّت عدّتها ثمّ تزوّجها، فبنى بها، ثمّ أطلقني. فأتيتك مستغيثاً قد رجوت عدلك وإنصافك، فارحمني يا أمير المؤمنين. فوالله يا أمير المؤمنين لقد أجهدني الأرق، وأذابني القلق، وبقيت في حبّها بلا عقلٍ، ثمّ انتحب حتىّ كادت نفسه تفيض. ثمّ أنشأ يقول:
في القلب منّي نارٌ       .........      والنّار فيه الدّمار
والجّسم منّي سقيمٌ       ........        فيه الطّبيب يحار
والعين تهطل دمعاً    ...........         فدمعها مدرار
حملت منه عظيماً     ............      فما عليه اصطبار
فليس ليلي ليلٌ       ...........       ولا نهاري نهار
فارحم كئيباً حزيناً    .........      فؤاده مستطار
اردد عليّ سعادي   ..........      يثيبك الجبّار

ثمّ خرّ مغشيّاً عليه بين يدي أمير المؤمنين كأنّه قد صعق به قال: وكان في ذلك الوقت معاوية متكّئاً، فلمّا نظر إليه قد خرّ بين يديه قام ثمّ جلس، وقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون. اعتدى والله مروان بن الحكم ضراراً في حدود الدّين، وإحساراً في حرم المسلمين: ثمّ قال: والله يا أعرابي لقد أتيتني بحديثٍ ما سمعت بمثله. ثمّ قال: يا غلام عليّ بداوةٍ وقرطاسٍ فكتب إلى مروان: أمّا بعد، فإنّه بلغني عنك أنّك اعتديت على رعيّتك في بعض حدود الدّين، وانتهكت حرمةً لرجلٍ من المسلمين. وإنّما ينبغي لمن كان والياً على كورةٍ أو إقليمٍ أن يغضّ بصره وشهواته، ويزجر نفسه عن لذّاته. وإنّما الوالي كالرّاعي لغنمةٍ، فإذا رفق به بقيت معه، وإذا كان لها ذئباً فمن يحوطها بعده. ثمّ كتب بهذه الأبيات:
ولّيت، ويحك أمراً لست تحكمه                            فاستغفر الله من فعل امرئٍ زاني
قد كنت عندي ذا عقلٍ وذا أدبٍ                          مع القراطيس تمثالاً وفرقان
حتّى أتانا الفتى العذريّ منتحباً                          يشكو إلينا ببثٍّ ثمّ أحزان
أعطي الإله يميناً لا أكفّرها                             حقّاً وأبرأ من ديني ودياني
إن أنت خالفتني فيما كتبت به                          لأجعلنّك لحماً بين عقباني
طلّق سعاد وعجّلها مجهّزةً                             مع الكميت، ومع نصر بن ذبيان
فما سمعت كما بلّغت في بشرٍ                          ولا كفعلك حقاً فعل إنسان
فاختر لنفسك إمّا أن تجود بها                          أو أن تلاقي المنايا بين أكفان

ثمّ ختم الكتاب. وقال: عليّ بنصر بن ذبيان والكميت صاحبيّ البريد. فلمّا وقفا بين يده قال: اخرجا بهذا الكتاب إلى مروان بن الحكم ولا تضعاه إلاّّ بيده. قال فخرجا بالكتاب حتّى وردا به عليه، فسلّما ثمّ ناولاه الكتاب. فجعل مروان يقرأه ويردّده، ثمّ قام ودخل على سعدى وهو باكٍ، فلمّا نظرت إليه قالت له: سيّدي ما الذي يبكيك؟ قال كتاب أمير المؤمنين، ورد عليّ في أمرك يأمرني فيه أن أطلّقك وأجهّزك وأبعث بك إليه. وكنت أودّ أن يتركني معك حولين ثمّ يقتلني، فكان ذلك أحبّ إليّ. فطلّقها وجهّزها ثمّ كتب إلى معاوية بهذه الأبيات:
لا تعجلنّ أمير المؤمنين فقد                  أوفي بنذرك في رفقٍ وإحسان
وما ركبت حراماً حين أعجبني                 فكيف أدعى باسم الخائن الزاني
أعذر فإنّك لو أبصرتها لجرت                  منك الأماقي على أمثال إنسان
فسوف يأتيك شمسٌ لا يعادلها                عند الخليفة إنسٌ لا ولا جان
لولا الخليفة ما طلّقتها أبداً                    حتّى أضمّنّ في لحدٍ وأكفان
على سعادٍ سلامٌ من فتىً قلقٍ                 حتّى خلّفته بأوصابٍ وأحزان

ثمّ دفعه إليهما، ودفع الجّارية على الصّفة التي حدّث له. فلمّا وردا على معاوية فكّ كتابه وقرأ أبياته ثمّ قال: والله لقد أحسن في هذه الأبيات، ولقد أساء إلى نفسه. ثمّ أمر بالجّارية فأدخلت إليه، فإذا بجاريةٍ رعبوبةٍ لا تبقي لناظرها عقلاً من حسنها وكمالها. فعجب معاوية من حسنها ثمّ تحوّل إلى جلسائه وقال: والله إنّ هذه الجّارية لكاملة الخلق فلئن كملت لها النّعمة مع حسن الصّفة، لقد كملت النّعمة لمالكها. فاستنطقها، فإذا هي أفصح نساء العرب. ثمّ قال: عليّ بالأعرابي.
فلمّا وقف بين يديه، قال له معاوية: هل لك عنها من سلوٍ، وأعوّضك عنها ثلاث جوارٍ أبكارٍ مع كلّ جاريةٍ منهنٍ ألف درهمٍ، على كلّ واحدةٍ منهنّ عشر خلعٍ من الخزّ والدّيباج والحرير والكتّان، وأجري عليك وعليهنّ ما يجري على المسلمين، وأجعل لك ولهنّ حظاً من الصّلات والنّفقات؟ فلما أتمّ معاوية كلامه غشي على الأعرابيّ وشهق شهقةً ظنّ معاوية أنّه قد مات منها. فلّما أفاق قال له معاوية: ما بالك يا أعرابي؟ قال: شرّ بالٍ، وأسوأ حالٍ، أعوذ بعد لك يا أمير المؤمنين من جور مروان. ثمّ أنشأ يقول:
لا تجعلني هداك الله من ملكٍ                          كالمستجير من الرّمضاء بالنّار
أردد سعاد على حرّان مكتئبٍ                          يمسي ويصبح في همٍّ وتذكار
قد شفّته قلقٌ ما مثله قلقٌ                              وأسعر القلب منه أيّ إسعار
والله والله لا أنسى محبّتها                           حتّى أغيّب في قبري وأحجاري
كيف السّلوّ وقد هام الفؤاد بها                        فإن فعلت فإني غير كفّار
فأجمل بفضلك وافعل فعل ذي كرمٍ                     لا فعل غيرك، فعل اللؤم والعار

ثمّ قال: والله يا أمير المؤمنين لو أعطيتني كلّ ما احتوته الخلافة ما رضيت به دون سعدى. ولقد صدق مجنون بني عامر حيث يقول:
أبى القلب إلاّ حبّ ليل وبغّضت                     إليّ نساءٌ ما لهن ذنوب
وما هي إلاّ أن أراها فجاءةً                        فأبهت حتّى لا أكاد أجيب

فلمّا فرغ من شعره، قال له معاوية: يا أعرابي؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: إنك مقرٌّ عندنا أنّك قد طلّقتها، وقد بانت منك ومن مروان، ولكن نخيّرها بيننا. قال: ذاك إليك، يا أمير المؤمنين. فتحوّل معاوية نحوها ثمّ قال لها: يا سعدى أيّنا أحبّ إليك: أمير المؤمنين في عزّه وشرفه وقصوره، أو مروان في غصبه واعتدائه، أو هذا الأعرابي في جوعه وأطماره؟ فأشارت الجّارية نحو ابن عمّها الأعرابي، ثمّ أنشأت تقول:
هذا وإن كان في جوعٍ وأطمار                       أعزّ عندي من أهلي ومن جاري
وصاحب التّاج أو مروان عامله                       وكلّ ذي درهمٍ منهم ودينار

ثمّ قالت: لست، والله، يا أمير المؤمنين لحدثان الزمان بخاذلته، ولقد كانت لي معه صحبة جميلة، وأنا أحقّ من صبر معه على السّرّاء والضّرّاء، وعلى الشّدّة والرّخاء، وعلى العافية والبلاء، وعلى القسم الذي كتب الله لي معه. فعجب معاوية ومن معه من جلسائه منعقلها وكمالها ومروءتها وأمر لها بعشرة آلاف درهمٍ وألحقها في صدقات بيت المسلمين

----------------------------------------------------------------.
قيل أن ليلى الأخيلية قدمت على الحجاج بن يوسف وعنده وجوه أصحابه وأشرافهم إذ أقبلت جارية فأشارت إلى الحجاج وأشار إليها بيده، فذهبت فما تلبث أن جاءت امرأة من أجل النساء وأكمله وأتمه خلفاً وأحسنه محاورة، فلما دنت منه سلمت عليه وقالت: أتأذن أيها الأمير? قال: نعم. فأنشأت تقول:
أحجَّاج إن اللَّهَ أعطاكَ غايةً                     يقصر عنْها منْ أرادَ مداها
أحجَّاج لا يفْللْ سِلاحك إنَّما                     المنايا بكف اللَّه حيث يراها

حتى أتت على آخرها.
فقال الحجاج لمن عنده: أتدرون من هذه? قالوا: ما نعرفها ولكنا ما رأينا قط امرأة أطلق لساناً منها، ولا أجمل وجهاً، ولا أحسن لفظاً فمن هي أصلح الله الأمير?? قال: هذه ليلى الأخيلية صاحبة توبة بن الحمير العقيلي التي يقول فيها:
فلو أنَّ ليلى الأخيلية سـلـمَـت                       عليّ وفوقي تـرْبَةٌ وصَـفـائحُ
لَسَلمْتُ تسليم البـشـاشَةِ أو زَقـا                    إليها صدىً من جانبِ القبر صائحُ

ثم قال: يا ليلى أنشدينا بعض ما قال توبة فيك، فأنشدته:
نأتْكَ بليلى دارها لا تـزورهـا                           وشطَّتٌ نواها واستمرَّ مريرها
وكنت إذا ما زرْت ليلى تَبَرْقَعَت                            فقد رابني منها الغداة سُفورها

حتى فرغت من القصيدة.
فقال لها: يا ليلى وماذا رابه من سفورك? قالت: اصلح الله الأمير! لم يرني قط إلا متبرقعة فأرسل إلي رسولاً إنه ملم بنا، وفطن الحي لرسوله، فأخذوا له واستعدوا وكمنوا، ففطنت لذلك من أمرهم، فلما رأى ذلك أنكره، فلم يزد على أن سلم وانصرف. فقال الحجاج لله درك يا ليلى فهل كان بينكما ريبة قط? قالت: لا والذي"أسأله أن يصلحك" إلا أنه مرة قال قولاً، فأضنه أنه خضع لبعض الأمر فقلت:
وذي حاجةٍ قلنا له لا تبح بها                                فليس إليها ما حييت سبـيل
لنا صاحبٌ لا ينبغي أن نخونه                              وأنت لأخرى صاحبٌ وخليل

فما كلمني بعد ذلك بشيء حتى فرق بيني وبينه الموت.