الرجوع الى الرئيسية>>>

معلومات ثقافية

كشمير والصوفية.. صراع الوافد والأصيل

2005/12/04

د. عاطف معتمد عبد الحميد**

حبس الصراع السياسي بين الهند وباكستان صورة كشمير التقليدية كوطن للنزاع، وموقع للتناحر؛ فغدت صورتها الذهنية حائرة بين مقاومة الجماعات الكشميرية المسلحة وممارسات قوات الجيش الهندي الشرسة في تعقب تلك الجماعات تحت الأرض وفوقها.

لكن بموازاة تلك الصور يعيش وادي كشمير ألوانا أخرى من الحياة الغائبة عن عدسات الإعلام وتقارير الصحفيين، ومن بين أهم صور تلك الحياة انتشار الإسلام الشعبي.

البدايات والطرق

تعتبر الطرق الصوفية أحد أهم مظاهر الإسلام الشعبي في الهند، ولا يتوقف سلطانها الشعبي عند حدود الشيوخ الأحياء بل يمتد إلى قبور وأضرحة الأموات.

ويمثل وادي كشمير أحد أبرز مناطق الهند تأثرا بالطرق الصوفية وزيارات الأضرحة.

وقد بدأ تاريخ الصوفية في الهند مع القرن الثالث عشر الميلادي حين تدفقت طرق متعددة من آسيا الوسطى وإيران وأفغانستان. وأشهر هذه الطرق: الشيشتية والسهروردية والفردوسية والكبراوية والقادرية والنقشبندية والريشية، والأخيرة طريقة مميزة لإقليم كشمير.

وقد مرت الصوفية في الهند بثلاث مراحل(1): الخانقاه (وتناظر التكية في المجتمع العربي)، والطريقة، والطائفة. وهناك فرق بين "البير" وهو المعالج للأمراض العضوية والنفسية، و"المرشد" وهو الموجه الروحي للأتباع. وفى كثير من الأحيان قد يصبح الشيخ الصوفي بيرا ومرشدا في آن واحد، وفى أحيان أخرى قد يستخدم المصطلحان بطريقة عكسية، وغالبا ما يعطى المرشد درجة تقديسية أعلى من البير.

وترصع وادي كشمير العديد من أضرحة ومقامات الصوفية التي يتوجه إليها المسلمون على مدار العام للزيارة والتبرك، ويزاحمهم في ذلك الهندوس والسيخ المغرمون بشيوخ الصوفية الذين تمكنوا من الوصول إلى الحكمة والمحبة والقدرات "الأسطورية".

الصوفية نشرت الإسلام

ولا بد من الإقرار بما للطرق الصوفية من فضل في نشر الإسلام عبر مختلف مناطق كشمير، والنائية منها بصفة خاصة، قبل أن تصلها سفارات أو فتوحات إسلامية.

وتنسب أولى خطوات الصوفية في كشمير إلى شيخ الطريقة السهروردية حضرة سيد شرف الدين عبد الرحمن المشهور باسم حضرة "بلبل شاه"، الذي وصل كشمير في عام 1324 قادما من التركستان في آسيا الوسطى.

وعلى الرغم من أن الإشارات الأولى للإسلام قد وصلت كشمير مع جيوش السلطان "محمود غزنوي" في القرن الحادي عشر الميلادي، فإن الإسلام انتشر بين السكان على أيدي الدعوة الصوفية، وكانت النقلة النوعية هي ما نجح فيه الشيخ الصوفي بلبل شاه حين أقنع الأمير التبتي "رينشانا" بترك البوذية واعتناق الإسلام، وتبعه أناس كثيرون في مطلع القرن الرابع عشر.

وإلى جانب ضريح بلبل شاه تنتشر أضرحة عدة لباقي الطرق الصوفية، أهمها: ضريح شاه الحمداني من الطريقة الكبراوية التي نجحت في الانتشار في كشمير منذ القرن الرابع عشر، وضريح حضرة نور الدين نوراني عن الطريقة الريشية (1635-1440) الملقب بين أتباعه بشيخ العالم وفقيه الدنيا.

الصوفية الريشية

الشيخ غلام بانداي في شرفة ضريح حضرة بال يمسك بشعرة الرسول المزعومة أمام المحتفلين بالمولد النبوي

وعلى الرغم من أن أولئك الشيوخ الذين أتوا من إيران وأفغانستان وآسيا الوسطى قد غرسوا بذور الإسلام في كشمير في وقت مبكر للغاية، فإن هناك طريقة صوفية محلية تولت عملية نشر الإسلام في أغلب وادي كشمير، وهي الطريقة الريشية التي أرساها حضرة نور الدين نوراني (1356-1440)، وظلت الأكثر نشاطا في الإقليم بين القرنين الرابع عشر والسابع عشر.

نقطة الالتباس في الطريقة الريشية هي اسمها؛ فالريشي (وتعني الكاهن أو الحكيم) مسمى كان سائدا في كشمير داخل الديانة الهندوسية، وعرفته المنطقة على يد الزهاد والنساك الزرادشتيين الفرس والدرافديين الهندوس.

وقد اتخذ هؤلاء الزهاد من كهوف الجبال والغابات موئلا للتدبر والتأمل قبل أن تتحول الريشية إلى حركة مقاومة على يد البوذيين (الشعبة الريشية من البوذية) الذين رفضوا العنصرية في الديانة الهندوسية، كما تطورت الريشية على يد شعبة هندوسية سعت إلى توحيد الآلهة وعدم تجسيدهم، وهي الأفكار التي يعتقد البعض أنها مهدت الطريق أمام الريشية التوحيدية التي جاءت مع التصوف الإسلامي.

الريشيون المسلمون في كشمير يفندون الآراء السابقة، ويدللون على أن الطريقة الريشية ليست امتدادا للريشية البوذية أو الهندوسية، وإنما هي طريقة إسلامية صرفة تستمد اسمها من اللغة الفارسية التي تعني فيها كلمة ريش الإنسان "الجريح"، ويقصد بها اصطلاحا الزاهد الذي جرح قلبه من العشق الإلهي.

كما أن لها معنى آخر في الفارسية يقصد به الجناح، والريشي إذن من امتلك أجنحة و"طار" في العشق حتى وصل إلى الله.

وهناك تفسيرات لدى متصوفة الريشية في كشمير من أن الكلمة ذات أصل عربي ولكنها تحمل معنى اصطلاحيا؛ فالريشي هو من نزع ريشه (شهواته) واعتزل رغبات الدنيا، كما يروج البعض أنها لا تتعدى معناها الحرفي؛ فالريشي هو كالريشة في مهب رياح العشق تأخذه حيثما شاءت(2).

لا تتوقف الالتباسات عند جذور الكلمة، وبحسب الباحث الهندي "يوجيندر سيكاند" فإن هناك مشتركات في طقوس التصوف بين الريشية الإسلامية والريشية الهندوسية والبوذية؛ فكلها تؤكد على أن الطريق إلى معرفة الإله لا بد أن يمر عبر معرفة الذات، ولكي تتحقق المعرفة الذاتية لا بد من اعتزال أفعال العوام والانتقال إلى حياة الخواص، وهجر النساء، والعزوف عن الزواج، وتحريم أكل لحوم الكائنات الحية.

وعلى المستوى الاجتماعي أخذت الريشية جانب الفقراء والمهمشين ونادت بإسقاط نظام الفصل العنصري بين طبقات الشعب، وحوَّل شيوخ الطريقة بيوتهم إلى تكايا لإطعام الجياع والدراويش، وفقراء الهندوس والسيخ، وهو ما عبَّد طريقهم إلى قلوب السكان وخاصة في ريف وادي كشمير الذي يغيب عنه العلماء والشيوخ من التيار السلفي.

يبقى في البعد الجغرافي أيضا أن شيوخ الطريقة الريشية وإن حملوا فكرا إسلاميا وافدا فإنهم كانوا من الأبناء الأصليين لكشمير، وليسوا من أبناء الأشراف أو الأسياد الذين يمدون نسبهم إلى شبه الجزيرة العربية. كما جاء انتشار الريشية الكشميرية الواسع بسبب تحدثها اللغة الكشميرية المحلية مقارنة بالوافدين المتحدثين بالأردية أو الفارسية أو التركية والعربية.

حضرة بال وشعرة الرسول

لا تتوقف مكانة الإسلام الشعبي في كشمير عند موروثات الصوفية وما تركته خلفها من أضرحة ومزارات؛ فالأمر يمتد في كشمير بشكل فريد ليشمل آثار الرسول صلى الله عليه وسلم. فعلى مدار العام يتدفق نحو مائة ألف مسلم في وادي كشمير لمشاهدة إمام مسجد حضرة بال يخرج من شرفة عالية -خاصة في ذكرى المولد النبوي والإسراء والمعراج- ممسكا في يده بشعرة يدعي أنها من لحية الرسول(3). الحناجر التي تهتف وصيحات الشوق واللهفة لا تدع مجالا لقبول التشكيك الذي تروج له الجماعات الإسلامية السلفية من انتقاد ودحض مقولة إن الشعرة تخص الرسول.

تعود قصة الشعرة إلى الخوجة نور الدين إشباري التاجر الكشميري الذي اشترى الشعرة المنسوبة للرسول من تاجر هندي زعم أنه أحضرها من المدينة المنورة.

وكتعبير عن تقديره لمشاعر شعبه قام فاضل خان الحاكم المغولي لكشمير (1698-1701) بإيداع الشعرة في خزانة بمسجد باغ صديق آباد على الضفة الغربية لبحيرة دال في مدينة سرينجار عاصمة وادي كشمير. وعرف المكان منذ ذلك الوقت باسم حضرة بال، وتعني بال المسكن، ومن ثم تحول اسم المسجد إلى "حضرة بال" أي مسجد حضرة الرسول (نسبة لشعرة الرسول). وهو ما جعل سرينجار تعرف منذ ذلك الوقت باسم المدينة الثانية (بعد المدينة المنورة).

التمسك الشديد بشعرة الرسول المزعومة جعل الناس -المتعلقين بأي أثر لرسولهم يقرب لهم المسافات البعيدة في شبه الجزيرة العربية- يفجرون الوادي هياجا حينما تعرضت الشعرة تارة للسرقة وتارة أخرى لادعاء الهندوس أنها لا تخص الرسول وإنما تخص قديسا هندوسيا.

وليست هذه هي الشعرة الأولى التي تنسب إلى الرسول، ففي الاتحاد السوفيتي السابق كانت الإدارة الدينية لمسلمي سيبيريا والقطاع الآسيوي من روسيا تحوي صندوقا بداخله شعرة تنسب للرسول، وتمثل هذه الشعرة أهمية كبرى في الاحتفالات الدينية والمناسبات الشعبية والمؤتمرات العلمية.

وقد يبدو التمسك بأضرحة الصوفية وشعرة الرسول في تلك المناطق النائية من خريطة العالم الإسلامي تحايلا على البعد الجغرافي للمشاعر المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهو ما روج لمفاهيم خاطئة في تلك المناطق تدعو المسلمين إلى أن زيارة الأماكن المقدسة "المحلية" عشر مرات تعادل الحج إلى مكة المكرمة.

الاعتراض على مقامات الصوفية

على الرغم من أن الاعتراض على زيارات الأضرحة في كشمير وما يجري خلالها من طقوس غير توحيدية قد بدأ منذ العصور الوسطى، فإن النقلة الحقيقية في هذا الاعتراض قد بدأت في نهاية القرن التاسع عشر على يد يحيى شاه الذي شن حملة على الأضرحة ومن يديرونها وزوارها.

وبينما أطلق يحيى شاه على القائمين على إدارة الأضرحة بالمبتدعين بل رماهم بالشرك اتهمه خصومه بالمتطرف الساعي إلى إيقاع الفتنة وتدمير أسس التعايش الآمن في الإقليم. ولقيت حركة يحيى شاه اعتراضا شديدا من قبل حكومة كشمير التي أصدرت أمرا بمنعه من الدعوة والصلاة الجماعية بالناس في وادي كشمير.

انتقلت الأخبار من كشمير إلى باقي أراضي الهند فصورت الأحداث الداخلية على أنها صراع على العوائد المالية التي تدخل على الأضرحة من التبرعات من قبل "الحاسدين" من التيار السني، كما روجت حكومة الهند البريطانية أن الصراع بين الصوفي والسلفي ما هو إلا صراع بين العائلات الكشميرية على النفوذ والشهرة في الإقليم.

ومنذ مطلع القرن العشرين أصبحت جماعة "أهل الحديث" متزعمة للهجوم الفقهي على طقوس الزيارة والتقرب إلى الأضرحة. وكانت جماعة أهل الحديث السلفية قد شكلت تحالفات مع علماء الدين السنة في الوادي لمواجهة طقوس التعبد في الأضرحة، واستخدمت في ذلك سبل الدعوة السلمية التي تفاوتت بين الخطب الجماعية وإصدار الكتب والنشرات؛ بل تطوع عدد من الشعراء المنتمين إلى نفس التيار بالهجوم بالأبيات الشعرية على الأضرحة.

ولعل أشهر قصائد تلك الفترة تلك التي كتبها محمود غامي بعنوان "ياك حكايات" أو القصة، ويتحدث فيها عن عذاب أمة محمد في النار بسبب البدع التي أصابت حياتهم، مستمدا معظم أبيات القصيدة من آيات أو أجزاء من الآيات القرآنية، ولم يسلم هؤلاء الشعراء من رد شعراء التيار الصوفي الذين كتبوا قصائد تتحدث عن أن أهل الحديث ليسوا إلا "أهل هوى"(4).

وفي منتصف القرن العشرين دخل بعض زعماء التيار الصوفي حلبة السياسة؛ وخاصة حينما تزعم الشيخ محمد عبد الله إمام مسجد حضرة تسيير الجماهير الكشميرية للتحالف مع نهرو وغاندي، وأعاق انضمام كشمير إلى باكستان.

وقد وصل الصراع في بعض فتراته إلى مستوى التصادم بين فريق اتخذ طريقه لنشر أفكاره الإسلامية عن طريق التساهل مع ما كان موروثا من تقاليد وأعراف، وفريق تحمل مسئولية تنقية الدين من الشوائب التي دخلت عليه بامتزاج العبادات الإسلامية بعبادات هندوسية، ومزاوجتها بفلسفات هندوسية وبوذية، وهي حالة لا تعانيها كشمير فقط بل يعاني منها الإسلام في كثير من مناطق الهند وآسيا الوسطى، وهي ظاهرة تكاد تتبعثر في أرجاء خريطة الإسلام في آسيا بشكل عام.

اقرأ أيضا:

المصادر:

1 - نقلا عن دراسة:

Gaborieau.M.(1983) The Cult of The Saints among Muslims in  Nepal and North India, in Stephen Wilson(ed.), Saints and Their Cults.(Cambridge Cambridge University Press)

2 - في دراسته التفصيلية عن الطريقة الريشية التي تحمل عنوان:

Sikand.Y (2004) The Muslim Rishis of  Kashmir. Islam and Interfaith Relations in  South Asia. Qalandar.

3 - الشعرة مغلفة بالسيلكون ومحفوظة في أنبوب زجاجي أقرب في حجمه لشكل الترمومتر.

4 - هذه المعلومات مستقاة من الدراسة التاريخية التي قامت بها زوتشي في كتابها الصادر مؤخرا بعنوان:

Zutshi.C (2004) Languages of Belonging, Islam, Regional Identity and the Making of Kashmir. Hurst & Company. London.

 

 


** مدرس الجغرافيا بجامعة القاهرة.

 

نقل عن  
إسلام أون لاين

التصوف في السودان... مظاهر حياة وتأثير على الشارع السياسي

2005/08/21

الخرطوم- صباح موسى**

تعد الصوفية إحدى الدعائم الأساسية في التركيبة الشخصية للمواطن البسيط في السودان، فكل فرد أو حتى مسئول له شيخ يحترمه ويقدره ويقف عنده ودائما ما يطلب منه أن "يشيل له الفاتحة" أي: يقرأ له الفاتحة ويدعو له بالبركات.

وفي الخرطوم تكتشف أن المدائح الدينية تملأ الشوارع، والإذاعة، والتليفزيون وفي التاكسي وحتى في العربات الخاصة، ومن أشهرها مدائح الشيخ "عبد الرحيم البرعي" المعروف بشيخ السودان كله والذي كان يقف ببابه الجميع بدءا من الرئيس حتى المواطن البسيط.

الصوفية والمجتمع السوداني

الطرق الصوفية لها سلطانها القوي على الشارع السوداني جماهيريا وسياسيا، فتوجد في السودان حوالي 40 طريقة صوفية أشهرها: (القادرية الختمية المهدية التيجانية السمانية...) وهذه الطرق منتشرة في كل أرجاء السودان، وهي ممتدة إلى دول الجوار في نيجيريا وتشاد ومصر وغيرها.

وتتنافس هذه الطرق فيما بينها على الشارع السوداني ويساعدها في ذلك التنشئة الدينية في المجتمع نفسه، فالمواطن السوداني صوفي بالفطرة؛ ولذلك تجده ينجذب إلى مثل هذه الطرق بل يقدسها أحيانا، ومن جانبها تقوم الطرق بالتواصل الفعلي مع الناس عن طريق خدمات مفيدة تقدمها لهم مثل إنشاء المدارس والمستشفيات والمعاهد الدينية والجامعات وكذلك "الخلاوي" لحفظ القرآن.

والخلاوي عبارة عن مدينة صغيرة يجتمع فيها الطلبة في معيشة كاملة، العمل الوحيد بها هو حفظ القرآن، ويأتي إلى هذه الخلاوي طلبة من كل السودان ومن الدول المجاورة يعيشون بها فترات تصل إلى 7 سنوات، ويستطيع مريد الطريقة أن يطلب من شيخها إعانات مادية لحياته، ومن هنا كانت الصلة الوثيقة بين الطرق والمجتمع، وفي داخل الطريقة نفسها تجد مؤسسات داخلية، وكأنها دولة مصغرة فهناك إدارة خاصة بالخلوة والمستشفى والمدرسة والمالية وغيرها ويوميا لهم تقارير إلى شيخ الطريقة وتعرف هذه العملية "بالمسيد" وهو إدارة أعمال مؤسسات الطريقة.

والملاحظ هنا في السودان أن شيوخ الطرق على درجات علمية كبيرة فبعضهم أستاذ الجامعة ومنهم من درس بلندن ويجيد عدة لغات، مثل الشيخ "حسن الفاتح قريب الله" الذي ألف أكثر من 100 كتاب أسهمت كثيرا في المدرسة الصوفية وأدبياتها، وطورت من الفكر الصوفي نفسه، وهناك أيضا من عمل سفيرا ووزيرا، مثل: الشيخ "كمال عمر"، وكان الرجل الثالث في زمن الرئيس الأسبق "جعفر نميري"، وبذلك استطاعت الصوفية أن تكسر الصورة الذهنية التي كانت مأخوذة عنها في أنها مجموعة من الدراويش والمجاذيب وسلكت مسلكا آخر استطاع بدوره أن يؤثر في السياسة السودانية نفسها، فهنا لا تتعجب أن ترى رجال السياسة يجتمعون برجال الصوفية للتباحث معهم في أمر جلل يخص البلاد، ودائما يأخذون بنصائحهم لما لهم من تأثير كبير على الناس، وعلى من يريد التقارب مع السودانيين والتأثير فيهم أن يدخل عبر بوابة الصوفية.

السوداني متصوف

يقول د. أحمد عبد العال عميد كلية الفنون الجميلة والتطبيقية بجامعة الخرطوم: تتعدد الطرق الصوفية في السودان ومنها: الطريقة القادرية، والسمانية، والبرهانية، والتيجانية والختمية، والسبعينية"، والمهدية، وتعتبر الطريقة القادرية ومؤسسها الشيخ "تاج الدين البهاري" من كبرى الطرق في السودان لكثرة مريديها، وقد تفرع عنها العديد من الطرق، ومن أكبر فروعها الصادقات، العركين.

ويضيف عبد العال أن "التصوف يتعمق في حياة السودانيين فما من حاكم في السودان إلا ويكن احتراما للتصوف، كما أن هناك بعض السياسيين يسترشدون بنصائح المتصوفة، ولقد سافر العديد من رجال التصوف لمقابلة جارانج قبل توقيع اتفاقية نيفاشا، وأكد لهم احترامه للصوفية في السودان"، ويضيف قائلا: "إن التراث الذي خلفه المتصوفون عظيم، وينبغي النظر إليه بعين التدقيق فكثير من الناس عندما يذكر التصوف يتداعى إلى أذهانهم صور الدراويش والخزعبلات، والتصوف بريء من هذا، فكلنا يعلم أن للحياة الشعبية مبتدعات وممارسات قد تدخل في باب الفلكلور.

وقد لعب المتصوفة دورا بارزا في التأثير على المجتمع السوداني خاصة الشيخ "عبد الرحيم البرعي" الذي كان شاعرا وناظما لمدائح وأشعار لها تأثيرها النفسي والعقلي على مريديه حتى إنها دخلت في تاريخ الأدب السوداني، وقام الرجل بدور إصلاحي من خلالها، ومن قصائده الرائعة قصيدة "مصر المؤمنة بأهلها" التي ذكر فيها كل أهل الصوفية في مصر.

ومن الأسماء الشهيرة في تاريخ التصوف في السودان: "الشيخ حسن الفاتح قريب الله" الذي كان عالما ومن أكابر مثقفي السودان، وكذلك الشيخ "الطيب بن الشيخ علي"، وساهم الشيخ "محمد الفاتح قريب الله" بـ 114 مؤلفا فكريا في مختلف المجالات في اللغة والحديث والفلسفة وله مؤلفات باللغة الإنجليزية.

الخريطة الصوفية

يوجد في السودان حوالي 40 طريقة صوفية وتتميز هذه الطرق بأن لها انتشارها الجغرافي فلكل طريقة مركز ثقل في منطقة جغرافية بالسودان، ويؤكد ذلك الدكتور حسن مكي الخبير الإفريقي، فتتمركز الطريقة السمانية في وسط السودان، وهناك مراكز صغيرة للسمانية في غرب أم درمان ومدني، والطريقة التيجانية منتشرة في دارفور وبعض المدن الأخرى مثل: شندي والدامر وبارا والأبيض، إضافة إلى أم درمان والخرطوم.

وتنتشر الطريقة الختمية التي يتزعمها "محمد عثمان الميرغني" في شرق السودان وشماله والخرطوم بحري، وينتشر الأنصار الذين يتزعمهم "الصادق المهدي" في النيل الأبيض، والجزيرة وأم درمان، أما الطريقة القادرية فتوجد في وسط السودان ومنطقة ولاية النيل الجزيرة، وتتفرع إلى فرع الشيخ "الجيلي" والكاشفية والبدراب والطيب الشيخ عبد الباقي، وهناك أيضا طرق حديثة صغيرة، مثل "البرهانية" و"التسعينية" و"الدندراوية"، "الأداراسة".

الصوفية.. أوراد وشعارات

تستخدم معظم الطرق في السودان أوراد الطريقة الشاذلية، وكل طريقة لها أورادها الخاصة بها التي تميزها عن غيرها، وبعض الطرق لها "راتب" يُقرأ فيه جزء مقدر من هذه الأوراد كل صباح ومساء، مثل "الأنصار"، وتقرأ بعض الطرق الأذكار والاستغفارات، مثل "السمانية" وغيرها... وتعرف بعض الطرق كتابة التعاويذ ومداواة المرضى النفسيين.

يقول الشيح "محمد الحسن قريب الله": لكل طريقة شعار خاص بها، ولكن الطريقة السمانية ليس لها زي معين وما يميزها "الكرامة"، وهو حزام يشد به المريد وسطه، وهو مصنوع من الجلد وذلك دلالة على الجد في المسير، ونلتزم بالزي الأبيض وليس هذا فرضا على السالكين. ومنهجنا في الطريقة هو الإيمان بالله وبالرسل والكتب السماوية والملائكة وبما جاء في الأثر وبهذا نسير على السنة المطهرة، ونختلف عن الطرق الأخرى في أننا نبدأ أورادنا في الثلث الثاني من الليل، ويكون هناك ورد في السحر يزيد على ساعة ثم الأوراد التي تستمر لمدة ساعة وبعدها الشروق ثم خواتيم دبر كل صلاة، وهناك ورد المغرب بين غروب الشمس والعشاء، ويضيف: لنا أذكار في يوم الإثنين والجمعة وهذا الذكر لا يصاحبه "دف" ولا طبول ولا موسيقى ويصاحب الذكر تمايل، ليذكر العابد "الله" في كل الجهات.

وعلى بعد 40 كم شرق الخرطوم في ضاحية "أم ضوبان" ذهبنا للشيخ "الطيب الشيخ محمد بدر" شيخ الطريقة القادرية حيث قال: إن الطريقة القادرية أتت إلينا من بغداد في القرن الخامس عشر، وانتشرت في كل مدن وقرى السودان، وهي أساس لطرق صوفية كثيرة هنا ولنا فروع في نيجيريا والسنغال وفي مصر، ويضيف: تختلف الطرق الصوفية في أورادها وأدائها، ولكن النهاية واحدة وهي الوصول إلى الله تعالى، وهناك مدائح خاصة وأذكار لكل طريقة ومنهجنا في الطريقة هو القرآن الكريم فبعد صلاة المغرب يجلس الطلبة والمشايخ في "الراتب"، وفيه نقرأ آية الكرسي وعدة آيات من سورة "يس" وبعد ذلك الفاتحة، ويضيف لدينا مناشط كثيرة فقد أسسنا مستشفى ومدرسة ثانوية للبنات ومدرسة للقرآن ومركزا للشرطة ومحكمة شعبية.

أما الطريقة التيجانية فيقول شيخها "كمال عمر الأمين العمراني": إن أورادها هي الاستغفار والصلاة على الرسول ولا إله إلا الله، وللطريقة حاضرة يوم الجمعة وهي ذكر لله فقط بدون أي دف.

ورغم هذه الأوراد والأذكار للطرق الصوفية في السودان فإن لها وجها آخر، حيث تؤثر تلك الطرق بشدة في الشارع السياسي، لاعتبارات متعددة، منها أن العقل السوداني بطبيعته صوفي؛ ولأن كثيرا من الأحزاب تقوم على الطرق الصوفية مثل: الاتحاد والأمة والإخوان المسلمين وبعض أنصار السنة، ومن ثم تهتم الحكومة بالصوفية وطرقها.

ويقول الشيخ "كمال عمر الأمين" الذي كان أمينا عاما للشئون السياسية في الاتحاد الاشتراكي في عهد الرئيس السوداني السابق "جعفر نميري": تؤثر السياسة على الشارع في السودان وكل حاكم له شيخ بجواره.

الوراثة.. في زعامة الطريقة

يقول الشيخ "محمد الحسن" شيخ الطريقة السمانية: الخلافة في الطريقة السمانية بالوراثة، وهذا لا يعني بأنها متاع يورث، ولكن يرجع ذلك لأن ابن الشيخ يكون قد تتلمذ على يد والده، وسلك الطريقة وعرفها والطريقة السمانية في أماكن متفرقة من السودان في شمال أم درمان وفي الوسط، ولها أتباع كثر في الجزيرة، ولا تنحصر في مكان معين ولها مساجد ومشايخ.

لكن الوراثة في رئاسة الطرق الصوفية في السودان ليست ظاهرة عامة، فالطريقة القادرية-مثلا- لا تقوم على الوراثة ويقول "الشيخ بدر" الخليفة: عندنا الخلافة ليست بالميراث، ولكن بالاتفاق على شخص معين.

ومن الأمور التي تفتخر بها القادرية أنها من الطرق العريقة فلها مسجد تأسس منذ 162 عاما وأنها تحتفظ بنار مشتعلة منذ ذلك التاريخ لم تطفأ، حيث كان الطلبة في الخلوة يشعلونها لقراءة القرآن الكريم، ولم تطفأ منذ ذلك التاريخ، وتسمى هذه المنطقة "أم ضوبان" أي المكان المضيء دائما وأصبحت تراث لدينا.

الصوفي.. أدوار متعددة في السودان

ويرى "محمد الحسن" أن للشيخ الصوفي دوره المؤثر في المجتمع وفي الدعوة إلى الإصلاح سواء كان اجتماعيا لفك الاشتباكات، أو سياسيا بنصح الحكام للسير عبر المنهج الإسلامي، كما أن له دورا في التعليم ببناء المدارس وتحفيظ القرآن؛ كل ذلك يتم داخل ما يعرف "بالمسيد" الذي يحتوي على مؤسسة تعليمية تربوية للعلوم الدينية والدنيوية وعلى مراكز صحية وخلوة، والمؤسسة الصوفية لها هياكل إدارية منتظمة.

ويرى أيضا- أن للصوفية دورا جادا في المجتمع فالمتصوفة هم أدرى بمشاكل الناس، وفي السودان كان من الممكن أن تلعب الصوفية دورا كبيرا في مشكلة دارفور، ولكن الحكومة هي التي بدأت بالحل.

وقد لعب الشيخ "حسن الفاتح قريب الله" دورا مؤثرا في إدخال الصوفية في الجامعات وتغيير الصورة الذهنية التي كانت مأخوذة عن المتصوفة بأنهم مجرد دراويش، بالرغم من أن درويش درجة متقدمة في الصوفية.

الخلوة.. وتنشئة المتصوف

الخلوة من الأماكن المهمة في تنشئة المتصوف، وهي مكان ينعزل فيه المتصوف عن الناس ويدخل في جو من العبادة والذكر الطويل حتى تتشبع نفسه بروح التصوف وتصفو من الشوائب، وتلعب الخلوة دورا مهما في تحفيظ القرآن الكريم، والخلوة في السودان أشبه بالجامعة العامة التي يقصدها الكثير من الأفارقة لتلقي العلم والزهد وممارسة العبادة، وفي الخلوة التابعة للطريقة القادرية جلسنا مع طلبة حفظ القرآن لنتعرف على طريقة الحياة في الخلاوي. "عبد العزيز" من كردفان قال لنا: جئت إلى الخلوة منذ 3 سنوات، وحفظت من القرآن إلى سورة التوبة، وزرت أهلي فقط مرتين في هذه المدة، وأقوم من الساعة 3 صباحا إلى الخامسة أقرأ القرآن، وبعد صلاة الفجر نقرأ إلى السابعة ثم إلى الحادية عشرة، وبعدها نأخذ راحة إلى الثانية ظهرا نواصل بعدها القراءة، ونصلي المغرب وننام في تمام الحادية عشرة حتى الثالثة صباحا ونعاود مرة أخرى.

وقابلنا الشيخ "عمر بدر" المسئول عن الخلوة وقال: إن هذا "المسيد" تأسس على نظام معهد القاهرة الدولي والذي يأخذ فيه الدارس 6 سنوات لحفظ القرآن وسنتين للتجويد، 4 سنوات قراءات وبعدها يقبل في الجامعة وبنينا معهدا علميا حتى ينتقل إليه الدارس بعد الخلوة وبعدها للجامعة، ونؤسس فيها الآن أيضا، ونقبل الطالب في المسيد من سن 15- إلى 70 سنة، وفي المسيد يكتب للطالب الآيات على لوح خشبي، وعندما يحفظها يغسله، ويعطي له الشيخ آيات أخرى.

ويقول الشيخ "عمر" في الخلوة يعيش الطالب، ويدرس مجانا، ويمكنه أخذ إجازة للعمل في مواسم الزراعة ليساعد نفسه؛ وذلك حتى يخشوشن، والخلوة بها (1500) طالب من كل أنحاء السودان ومن دول مجاورة؛ ولذلك فهي تمازج بين كل الثقافات والأعراف، ويضيف: عندما يرى الخليفة في أحد الطلبة الصلاح والتميز يحفظه أكثر ويُدخله خلوة في السكن، وفي كهف للتعبد لتربيته روحيا، وبعدما يتأكد من أنه على مستوى من خشية الله يسمح له بأن يذهب إلى مكان آخر لينشئ خلوة أخرى، وفي الغالب الخلوة تبدأ تحت شجرة ثم تتطور.

وبعض الطرق الصوفية في السودان تضع شروطا لدخولها قد تصل إلى 29 شرطا، وبعضها لا تقبل الطالب في الخلوة إلا بعد موافقة مكتوبة من أهله، ومن هنا ينشأ المريد داخل هذه البيئة، الأمر الذي يؤثر عليه طوال حياته فتجد الفرد في السودان في طاعة كاملة لشيخه وله انتماء كبير لطريقته.