تاريــــخ المملكــة العربيــة الســعوديـــة

المقـدمــــــــة

          وقد كتب ابن غنام تاريخـه بأسلوب سيطر عليه السجع المتكلف ،  وسـمي ذلك التاريخ روضة  الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام  وتعداد  غـزوات ذوي الإسلام. ولعله بإتباع الأسلوب  الذي أتبعه في  كتابته  إظهـار مقدمته الأدبية ، وبخاصة أنه كان مدرساً لقواعد اللغـة العربية  في الدرعية. ولطكن تاريخه على أي حال أول  سجل دُون  عن حياة الشيخ محمـد بن عبد الوهاب . ونشأة  تلك  الدولة التي  قامت على أساس  دعوته الإصلاحية ، وما بذله قـادة الدرعيـة من جهود  في سبيل نشر الدعوة الإصلاحية ، وتوسيع رقعة الدولة . وقـــد  إعتني عنايـة فائقـة بالجانب الديني ، فخص الجزء الأول من تاريخه بالحديث عن الأوضاع الدينيـة السائدة في المنطقة قبل ظهور الشيخ محمـد ، وعن حياة ذلك المصلح ، وأورد فيه كثيراً  من رسائله  الشخصية  ، وما رأى إيراده  من فتاواه وتفسيره لسور من القرآن الكريم أو آيات  منه . ومع أنه جعل الجـزء الثاني من تاريخـه للحديث عن الجانبيين السياسي والعسكرية للدولـة السعوديـة فإنه ضمنه  رسـالة مطولـة كتبها الشيـخ محمـد رداً على أحـد معارضيه. وضمنه ، أيضاً رسالة أخـري أجـاب فيها الشـيخ حمـد بن ناصر بن مـعُمر عما آثـاره علماء مكـة  من أسـئلة  تتعلق بمبادئ الدعوة .

أما  عثمان بن بشر فقد كتب تاريخه بأسلوب سهل . لكنه  ضمنه  فقـرات مسجوعـة سجعـاً غير متكلف  وبخاصـة حينما  يريـد أن يبرز صفـة من صفات أولئك الذين يكن لهم ودًا  كبيراً ، أو يضخم حادثـه  فريـدة في نظـره. وقد سـمي تاريخه  عنوان المجـد في تاريـخ نجــد.

وركـز  كتابتـه  على النواحي السياسية والعسكريـة  ،  ولكنه مع ذلك اعتني  عنايـة لا بأس بها بالنواحـي  الإداريـة والإجتماعيـة . ولإنـه  يـرى أن تاريخ نجـد لا يبدأ حقيقـة ،  إلا بظهور دعـوة الشيخ  محمـد فإنه جعل بدايـة تاريخه من السنة التي تبايع فيها ذلك الشيخ والأمير محمـد بن سـعود على نشر  الدعـوة. ولكنه  لم يرد إغفـال  ما وقع في نجـد من أحداث قبل تلك السنة .

أما الذين كتبوا عن الدولـة السعوديـة الثانيـة فقد إعتمدوا إعتمـاداً كبيراً على عنوان المجد ، وعلى ما ألفـه إبراهيـم بن عيسى ذيـلاً لهذا الكتاب. وسماه: عقـد الدرر فيما وقـع في نجـد من الحـــــوادث 

 

( 2 )

 

في أواخـر القرن الثالث عشر وأول الرابع عشر. وقد بدأ  تسجيل الحوادث من سنة 1268هـ وإنتهي بحوادث  سـنة  1304هـ .

ولكن  من حققه ونشره مع  كتاب  ابن بشـر زاد  عليه ما دونـه ابن عيسـى  في كتاب آخـر له حتى سـنة 21340هـ . وعقـد  الدرر مشابه لكتاب  عنوان المجـد من حيث الأسـلوب  والمنهج. ولكن مؤلفـه كثيراً ما تجـاوز سـنوات دون ذكـر حـوادثهـا .

وما كتب عن الدولتين  السعوديتين الأولى والثانيـة من كتابات  جيدة فيه إطـالة  بالنسبة لعامة القـراء  وطـلاب الجامعـة ؛ وبخاصـة أن قسماً من الطـلاب يدرسون المقررات وفق النظـام الفصلي المتبع في أكثر الجـامعـات السعوديـة . وهذا النظـام يعيق طـالب الدراسـات الإنسانية عن قـراءة  ما يمكن أن يقرأه طـالب  تلك الدراسات في الجـامعات  التي تتبع النظـام السنوي في تدريس المقررات.

ولقد إرتبط التاريخ الحديث لهذه البلاد إرتباطــاً عميقاً بالحكم السعودي حتى أصبح  إسمها المملكه العربية السـعوديـة .  وإختير  هذا لأسم ليكون عنوان المقرر الجـامعي الذي يتناول تاريخ الدول السعوديـة الثلاث كلها مع أن تلك التسمية  لم تحـدث إلا في الدولـة السعوديـة الثالثة . وهذا هو السـبب الذي جعل الكتـاب يسـمي بما سـُـمي  بـه

أوضــاع البــلاد قبيل دعـوة الشيخ محمـد بن عبد الوهـاب : ــ

(1)   كانت الحجـاز من المناطق  التي شـهدت حركـات علويـة عنيفـة ضـد الدولـة العباسية منذ قيامها . ولقد إستطاعت  هذه  الدولة أن  تقضي على تلك الحركات في عهود خلفائهـا الأقويـاء . ولكن  ضعفهـا في أواخـر القرن الثالث الهجري أغـرى زعمـاء العلويين بإسـتئناف  نشـاطهم. فإنتزع  محمـد بن سليمان الحسني  إمـارة مكـة من الوالي العباسي  سنة 301هـ ،  وإستقل بها  وذلك يفيد بأن حكم البلدة المقدسـة بقـي في أيـدي الإشراف  الحسـنيين حتى دخلهـا القرامطـة سنة 317هـ . وقد نجـح العباسـيون في إستعادة نفوذهم الرسـمي على الحجـاز بعد سـنوات قليلـة من هذا التاريخ مسـندين  ولايتها لأتباعهم الإخشـيديين  الذين كان مركـز حكمهـم في مصـر .

          وحينما بدأت  علامـات الإنهيـار تـدبُ في أوصال كيان  الإخشـيديين أمام الزحف  الفاطمي  إنتعشت  روح ألأمل مـرة أخـري في نفوس العلويين  في الحجـاز ، وفـرض الزعيم جعفـر بن محمـد الحسني سيطرتـه على سـير الأحداث في مكـة وما حولها . ولما سـقطت مصر في أيدي الفاطميين  سـنة 358هـ إسـتولي  على مقاليـد الأمور في البلدة المذكـورة. ودعـا في الخطبـة للخليفـة  الفاطمي .

( 3 )

 

          وكان  ذلك إيـذاناً بتأسـيس حكم الطبقـة الأولى من طبقـات حكام الإشـراف  وهي طبقـة الموسـويين .

          وكما دُعـي  للخليفـة الفاطمي في مكـة المكرمـة دُعـي  له في المدينة المنورة من قبل العلويين الحسـينيين ، الذين  سـيطروا  على الأوضـاع هناك . وبذلك أصبحت الحجـاز تحت النفوذ الفاطمي  وإن بذل  الوزراء  العباسيون من بـني بـُويـه محـاولات  لمـد نفوذهم عليها. وقد بلـغ  الحاكم الثالث من الطبقـة الموسوية ، أبو الفتوح الحسن بن جعفر درجـة من القوة  مكنته  من إنتزاع حكم  المدينـة المنورة من أبناء عمـه  الحسـينيين ، وأغرتــه  بأن يعلن نفسـه خليفـة مستقلاً على أن خلافتـه  لم تطل . وذلك أن الدسائـس الفاطميـة إستطاعت أن ترغمـه على التخلي عنها وإعـلان تبعيتـه  لحكـام مصر . وكما شـهد عهـد هذا الأمير  مـد نفـوذ الطبقـة الموسـوية ثم جـزره  النسبي وكانت وفاة إبنه شـكر ، سـنة 453هـ  بمثابـة  إعـلان نهايـة حكم تلك الطبقـة .  فقد إنتزع السـليمانيون حكم مكـة من عبد شـُكـر  بعد  فترة قصيرة جـداً من إسـتيلائـه عليه .

          ولقد شـهد القرن الأول من حكم طبقـة الهواشم تنافسـاً شـديداً بين العباسـيين والفاطميين لكسب ولاء  أمـراء  مكـة وإعرائهم بالدعـاء  لهـم في الخطبـة . وكان ولاء  بعض هـؤلاء الأمـراء يتذبذب  بين الفريقيـن  المتنافسين  حسب الظـروف . ولكن النصيب  الأوفـر من الولاء كان للفاطمييـن  بصفـة عامة . وبالإضـافـة إلى ذلك شـهدت تلك  الفترة صـراعـاً حــاداً بين إشراف  الطبقـة الحـاكمـة ذاتها على الإمـارة .

          وحينما إسـتولي السلطان سليم الأول العثماني على مصر سـنة 923هـ ،  وكان أمير  مكـة  الشريف بركات الثانـي ،  الذي أوفـد إبنـه أبـاً نـُمي إلى ذلك السلطان  معلنـاً ولائـه له . وهكذا أصبحت الحجـاز تحت نفـوذ العثمانيين . وكان من مظـاهـر النفوذ الدعـاء  للسـلطان العثماني في الخطبـة ، وأخـذ موافقتـه على ولايـة الشريف الجـديد ،  ووجـود  ممثل له يشـارك في إدارة شـؤون المدينـة المنورة ،  وتعيين شـيخ الحـرم ،  ومشـاركـة أمير الحجـاز في واردات جـدة من الجمــارك .

          ولقـد كان الصراع الأسـري بين أشراف  الحجـاز على الحكم دمــوياً إرتكبت خـلاله أنواع من القسوة  والعنف . ولم يخـل تاريخهم الطـويل من ذلك الصراع إلا في فترات  قليلـة جـداً . وكان أولئك الإشراف  يعتمـدون في صراعهم مع منافسـيهم على من ينضم إليهم  من أسـرتهم ومماليكهم وقبائل المنطقـة . وفي بعض الأحيــان كان أمراء  الحـج العثمانيون يتدخـلون بقواتهم الخاصـة لمصلحـة هذا الشريف أو ذاك .

 

( 4 )

 

          ولما كان الإشـراف  والتجـار يستـفيدون من الحـج إسـتفادة كبيرة فإن بقيـة سكان البلاد كانوا ينتفعون  به بوسائل  مختلفـة . وكان لرؤسـاء  القبائل ؛ خصوصاً أولئك  الذين في شـمال  الحجـاز . منافعهم الذاتيـة من الحـج . وذلك أنهم كانوا يفرضون إتاوات على القوافـل المـارة بمناطق نفوذهم ، ويتسلمون هدايـا من قـادة تلك القوافـل .

          على أن الأوضـاع الإقتصاديـة  في الحجـاز كانت تتأثر تأثراً كبيراً بالأوضاع السياسية العامة . فإذا إستقرت الأوضـاع السـياسـية  الداخليـة ،  وكانت علاقـة الشرافـة بالقـوى  الإسـلاميـة الكبرى طيبــة . تحسـنت  الأوضـاع الإقتصاديـة  ، وسـاد البـلاد نوع من الرخـاء وإن لم  تكن  كذلك حـلت  الكـوارث الإقتصاديــة وتدهـورت  الأحـوال .

          وتشـير إحـدى الدراسـات إلى أن إشراف  الحجـاز كانوا يتبعون المذهـب الزيـدي حتى القـرن التاسع الهجـري. ثم إعتنقـوا المذهب  السـني خـلال النصف الأول من هذا القـرن . أمـا باقي  سكان الحجـاز  فكانوا ،  بصفـة عامـة ، سـنة قبل ذلك التاريخ وبعده . وكان لوجـود الحرمين الشريفـين  في البلاد أثره الكبير  في الحيـاة العلمية .

          فقـد كان بعض العلماء  من الأقطـار الإسـلاميـة المختلفـة يجـاورون  في مكـة المكرمـة  والمدينة المنـور  وكثيراً ما قام بعضهم بالتدريس والتأليـف .

          ومع  وجـود العلماء وإزدهـارالحركـة  العلمية في مكـة والمدينـة فإن الحجـاز  لم تخـلُ من أصحاب  المذاهـب التي يستنكرهـا  المحققون من علمـاء المسلمين . كمـا أنها لم تخـلُ  من الأمـور البدعيـة والخرافيـة  المنتشرة في كثير من البلدان الإسـلامية . وكان كثير من فئـات  القبائل الحجـازيـة على جهـل  كبير  بأحكـام الديـن الإسـلامي . ولذلك لم تكن  محـافظـة على ممارسـة شـعائره أو ملتزمـة بواجبـاته . وهناك  من المصـادر ما يشـير إلى إنحطـاط الأخـلاق وإنتشـار بعض الأمـور  التي يحرمهـا الديــــن الإسـلامي الحنيـف  وتأبـاهـاً القيـم العربيـة الأصـلية ،  وبخاصـة بين أفراد الطبقـة المنفـذة في البـلاد .

(2)  جنـــوبي غـرب البــلاد : ــ

          ويشـتمل  ذلك على عسير والمخـلاف السليماني ونجـران . وقد إمتـد نفـوذ إشراف  الحجـاز إلى القنفـذة جنوبـاً . وهذا يعني أن منطقـة عسـير، بسـراتها وتهامتها ، قد دخلت تحت نفـوذ أولئك الإشـراف . وإذا كان من المرجح أن نفـوذ الإشـراف كان واضحـاً في تهامـة لسـهولـــة التحرك العسكري في  الجهـات

 

يتبع 1    يبع 2   يبع 3   يتبع 4   يتبع 5   يتبع 6   يتبع7   يتبع 8     يتبع 9

 ------------------------------------------------------------------------------