تعني كلمة الانثروبولوجيا علم دراسة الإنسان ، ويرتبط هذا المعنى بالاشتقاق اللغوي لكلمة انثروبولوجيا من الأصل الإغريقي ، حيث تتألف الكلمة من مقطعين : الأول (انثروبوس) أي الإنسان ، والثاني (لوجوس) أي الكلمة أو الموضوع والدراسة ، وهكذا يتحدد معنى الانثروبولوجيا بدراسة الإنسان في أصوله التاريخية التي تمس جوانبه العضوية والاجتماعية والحضارية ، وتطور تلك الجوانب عبر الزمان والمكان ، وما تفرزه نشاطات الإنسان من أنماط وتراكيب ووظائف وعلاقات اجتماعية متباينة.
وحين يتحدد معنى الانثروبولوجيا بالجوانب البيولوجية والحضارية والاجتماعية فإن الاتجاه ينصب نحو تفاعل تلك الجوانب في نسق واحد ، وليس مجرد إضافة معارف علمية ترتبط بتلك المستويات . وهذا مايميز الانثروبولوجيا عن علوم الاجتماع والتاريخ والنفس والبيولوجيا والآداب والفنون ، ويتحدد مضمونها بما تضيفه من معطيات حول الإنسان عبر تطوره وارتقائه من الأشكال الأولية ، ودراسة أنماط سلوكه والتغيرات التي تطرأ على بيئته الاقتصادية والاجتماعية ، وحول تعاقب الحضارات ، لتستمد من ذلك المنظور التاريخي منطلقاً لفهم الإنسان المعاصر ومشاكله السلوكية والحضارية والمجتمعية.
فعالم الانثروبولوجيا في دراساته للإنسان بالمعنى السالف الذكر يحاول أن يكشف ويصنف النواحي الجسمية التي تميز الإنسان عن بقية المخلوقات التي تعاصره ، وتلك التي انقرضت أشكالها . كما يتجه نحو تحديد الصفات التي تميز الأجناس البشرية وتفاعل تلك الأجناس مع البيئة ليكشف أوجه الشبه والاختلاف بين مختلف الحضارات ، فيتعدى اهتمام عالم الانثروبولوجيا نطاق الوصف للجوانب البيولوجية والحضارية والاجتماعية إلى محاولة استخلاص القوانين والأنساق التي تتحكم في تكوين المجتمعات والحضارات ونموها.
----------
-الرموز الاجتماعية ذات الدلالات الهامة في حياة أمة من الأمم أو مجتمع من المجتمعات ، ويعد الفولكلور أحد عناصرها الأساسية .
-الفعل الاجتماعي المستخلص والمأخوذ من السلوك الجمعي ، حيث تصبح العادات والتقاليد مصاحبة لكل سلوك جمعي مما ينجم عنه فعل اجتماعي.
-الجوانب الروحية للإنسان مثل : الدين والمعتقدات والسحر.
-الأدب والفن والفلسفة والشعر.
وهكذا يتحدد معنى الانثروبولوجيا الحضارية بدراسة حضارة الإنسان وتمايزها والطرق التي يستجيب بها الإنسان إلى ذلك التمايز ، والعناصر التي تشكل الحضارة ، والعوامل التي تعمل على انتشارها من مجتمع إلى آخر ، وانتقالها من جيل إلى جيل في المجتمع الواحد.
----------
تبحث الأنثروبولوجيا الطبية في أسس التربية الصحية التي تقوم على القيم الاجتماعية المعطاة لمفاهيم الحياة ، والمرض ، والموت ، وفي تباين التصورات المحددة لهذه المفاهيم بتباين المجتمعات والظروف التاريخية التي يشهدها كل مجتمع بحيث تتصل في قسم كبير بثقافة المجتمع وتاريخه وحضارته وخصائصه المجتمعية. ومعلوم أن مفهوم التربية الصحية يرتبط بمفهوم التربية العامة ، وبتصورات المجتمع لمسائل الحياة والمرض والموت والصحة بأبعادها النفسية والاجتماعية والجسدية ، كما تتعلق مبادئ التربية الصحية بالجو القيمي السائد ، وبالوعي الاجتماعي وبطبيعة المؤسسات الصحية الاجتماعية.
ويعمل الجو القيمي على تكريس جملة القيم الاجتماعية الصحية المناسبة لارتكاز السلوك الإنساني في قسم كبير منه عليها . وتعزيز الوعي الصحي يساهم في دمج الأفراد بالمجتمع بشكل إيجابي يستطيعون من خلاله تجنب الكثير من مسببات الأمراض وغيرها ... أما مصداقية المؤسسات في إدارة مهامها ، وتحقيق النجاح في أعمالها فهو يساعد الأفراد على التخلي عن الأقاويل الشائعة المتصلة بطرق المعالجة ، ويدفعهم إلى الإقرار بأفضلية المؤسسات العصرية عن سواها.
-----------
ويحدد معجم العلوم الاجتماعية مجال الدراسة للأنثروبولوجيا الاجتماعية في المجتمعات البدائية فقط ، وذلك من خلال دراسة بنائها ونظامها الاجتماعي وارتقائها ، فتدرس الأسرة والنظام الاقتصادي والتربوي والديني والجمالي والسياسي والقضائي .. الخ لهذه المجتمعات. وعلى هذا فإن التوجه التقليدي للأنثروبولوجيا الاجتماعية كان نحو دراسة المجتمعات البدائية بكل أبعاد أنظمتها الاجتماعية والاقتصادية وذلك نظراً لصغر حجمها وقلة التخصص فيها ، وتكامل ومحدودية بنائها الاجتماعي ، مما يسهل الدراسة فيها . إلا أن التوجه المعاصر تعدى تلك الأبعاد ، فشملت الدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة المجتمعات المحلية مثل مجتمع القرية ، والتجمعات البشرية في المدن الكبرى مثل الأحياء السكنية ، والتنظيمات الاجتماعية ، ووسائل التطبيب الشعبي ، وأساليب تنمية الخدمات الذاتية في المجتمعات النامية . كما ينصب اهتمام الأنثروبولوجيا الاجتماعية المعاصرة نحو دراسة البنية والوظائف وأنماط العلاقات الاجتماعية ، وبشكل أدق تدرس السلوك الاجتماعي الذي يتخذ شكل نظم اجتماعية كالعائلة ونظام القرابة والتنظيم السياسي وأشكال الملكيات .. الخ ، وتهدف دراسة تلك النظم الاجتماعية إلى تحديد العلاقة والتأثير المتبادل فيما بينها من جهة ، وبينها وبين الفرد من جهة أخرى.
وهكذا يتبين من معنى الأنثروبولوجيا الاجتماعية أنها تتشابك في كثير من حدودها مع بعض الدراسات الاجتماعية في كثير من البلدان ، حيت تتلاشى الفروق فتصبح الأنثروبولوجيا الاجتماعية في انكلترا مثلاً مرادفة لعلم الاجتماع.
-----------
الانثروبولوجيا
النفسية
تسمى الانثروبولوجيا النفسية ايضا
(الثقافة والشخصية) culture and
personality... وذلك بالنظر الى
العلاقة الوثيقة بين الثقافة والشخصية
الانسانية. فقد اثبتت بعض الدراسات ان
التطابق في التقويمات المستقلة
للمعلومات التي جمعت، بقصد دراسة
معادل «الثقافة _ الشخصية» بلغ حدا
كبيرا يدل على توقع حدوث تعاون مثمر،
بين الانثروبولوجيين والتحليل النفسي
في ابحاث اخرى. ويدل ايضا، على ان من
المستحسن ان يتدرب الباحث على فروع
علمية عديدة حتى يتمكن من اجراء
المراحل المختلفة من البحث والتحليل،
والتي تتطلبها طريقة التركيب «السيكو
_ ثقافي». (هرسكوفيتز، 1974، ص 53).
ومن هذا المنطلق، اكدت معظم التعريفات
التي تناولت مفهوم الثقافة، ارتباطها
بشكل اساسي بالنتاجات/ الابداعية
والفكرية/ للانسان. وهذا يعني ان
الثقافة ظاهرة ملازمة للانسان،
باعتباره يمتلك اللغة، واللغة وعاء
الفكر، والفكر ينتج عن تفاعل العمليات
العقلية والنفسية التي يتمتع بها
الانسان دون غيره من الكائنات الحية.
فالعناصر الثقافية وجدت معه مذ احس
بوجوده الشخصي/ الاجتماعي، واخذ
مفهومها يتطور ويتسع، وتتحدد معالمها
مع تطور الانسان، الى ان وصلت الى ما
هي عليه الآن.
اولا _ مفهوم الشخصية
انطلاقا من ان الشخصية تعبر عن الجوهر
الاجتماعي/ الحقيقي للانسان، فقد
عرّفها رالف لينتون، بانها:«المجموعة
المتكاملة من صفات الفرد العقلية
والنفسية.
اي المجموع الاجمالي لقدرات الفرد،
العقلية واحساساته ومعتقداته وعاداته،
واستجاباته العاطفية المشروطة» (لينتون،
1964، 607).
كما عرفها فيكتور بارنوا: بانها تنظيم
لدرجة ما، للقوى الداخلية للفرد،
وترتبط تلك القوى بكل مركب من
الاتجاهات والقيم والنماذج الثابتة،
بعض الشيء، والخاصة بالادراك الحسي،
والتي تفسر _ الى حد ما _ ثبات السلوك
الفردي».
(barnouw)
وهكذا، يعبر مفهوم الشخصية عن الوصف
الاجتماعي للانسان، والذي يشمل الصفات
التي تتكون عند الكائن البشري من خلال
التفاعل مع المؤثرات البيئية،
والتعامل مع افراد المجتمع بصورة
عامة. وهذا ما يعبر عنه: (بالجوهر
الاجتماعي للانسان). اي انها مجموعة
الخصائص (الصفات) التي تميز فردا/
انسانا بذاته، من غيره في البنية
الجسدية العامة، وفي الذكاء والطبع
والسلوك العام.
ثانيا _ مفهوم الثقافة
تعد الثقافة عملا مهما في تصنيف
المجتمعات والامم، وتمييز بعضها من
بعض، وذلك بالنظر لما تحمله مضمونات
الثقافة من خصائص ودلالات ذات ابعاد
فردية واجتماعية، وايضا انسانية.
ولذلك، تعددت تعريفات الثقافة
ومفهوماتها، وظهرت عشرات التعريفات ما
بين (1871 _ 1963)، منها ما اخذ
بالجوانب المعنوية/ الفكرية، او
بالجوانب الموضوعية/ المادية، او
بكليهما معا، باعتبار الثقافة _ في
اطارها العام _ تمثل سيرورة المجتمع
الانساني، وابداعاته الفكرية
والعلمية.
وهذا التنوع في التعريفات، حدا بـ/ادغار
موران/ ان يقول بعد مرور قرن على اول
تعريف انثروبولوجي للثقافة:«الثقافة
بداهة خاطئة، كلمة تبدو وكأنها كلمة
ثابتة، حازمة، والحال انها كلمة فخ،
خاوية، منومة، ملغمة، حائلة.. الواقع
ان مفهوم الثقافة ليس اقل غموضا
وتشككا وتعددا، في علوم الانسان منه
في علوم التعبير اليومي»
(MORIN, 1969, P5)
ولعل اقدم تعريف للثقافة، واكثرها
شيوعا، ذلك التعريف الذي وضعه/ ادوارد
تايلور/، والذي يفيد بان الثقافة: هي
ذلك الكل المركب الذي يشتمل على
المعرفة والعقائد، والفن والاخلاق
والقانون، والعادات وغيرها من القدرات
التي يكتسبها الانسان بوصفه عضوا في
المجتمع. (مجموعة من الكتّاب، 1997،
ص9) وعرفها عالم الاجتماع الحديث/
روبرت بيرستيد/ بقوله:«ان الثقافة هي
ذلك الكل المركب الذي يتألف من كل ما
نفكر فيه، او نقوم بعمله او نمتلكه،
كاعضاء في مجتمع».
وضمن هذا المفهوم، يرى/ جيمس سبرادلي
J.SPRADLEY) ان ثقافة المجتمع، تتكون
من كل ما يجب على الفرد ان يعرفه او
يعتقده، بحيث يعمل بطريقة يقبلها
اعضاء المجتمع.. ان الثقافة ليست
ظاهرة مادية فحسب، اي انها لا تتكون
من الاشياء او الناس، او السلوك او
الانفعالات، وانما هي تنظيم لهذه
الاشياء في شخصية الانسان، فهي ما
يوجد في عقول الناس من اشكال لهذه
الاشياء.
(SPRADLEY,1972,P.P.6-7)
وربما يكون احدث مفهوم للثقافة، هو ما
جاء في التعريف الذي اتفق عليه في
اعلان مكسيكو (6آب 1982)، والذي ينص
على ان الثقافة _ بمعناها الواسع _
يمكن النظر اليها على انها:«جميع
السمات الروحية والمادية والعاطفية،
التي تميز مجتمعا بعينه، او فئة
اجتماعية بعينها. وهي تشمل: الفنون
والآداب وطرائق الحياة..
كما تشمل الحقوق الاساسية للانسان،
ونظم القيم والمعتقدات والتقاليد».
ويعتقد معظم علماء الانثروبولوجيا ان
الحضارة ما هي الا مجرد نوع خاص من
الثقافة، او بالاحرى، شكل معقد او
«راق» من اشكال الثقافة. وبذلك لم
يعتمدوا قط، التمييز الذي وضعه علماء
الاجتماع بين الثقافة والحضارة.. فمن
المعروف ان بعض علماء الاجتماع يميزون
بين الحضارة بوصفها «المجموع الاجمالي
للوسائل البشرية» وبين الثقافة بوصفها
«المجموع الاجمالي للغايات البشرية».
(لينتون، 1967، ص 143).
وهكذا يمكن القول: ان الثقافة _ في
اطارها العام _ ليست الا مفهوما مجردا
يستخدم في الدراسات الانثروبولوجية
للتعميم الثقافي، وان ضرورة الثقافة
لفهم الاحداث في العالم البشري،
والتنبؤ بامكانية وجودها او وقوعها،
لا تقل اهمية عن ضرورة استخدام مبدأ
(الجاذبية) لفهم احداث العالم الطبيعي
وامكانية التنبؤ بها.
وتأسيسا على ذلك، اعتمد كثير من
الباحثين في دراسة الانثروبولوجيا
الثقافية النفسية والاجتماعية/ على
ثلاثة مفهومات اساسية، هي:
_ التحيزات الثقافية: وتشمل القيم
والمعتقدات المشتركة بين الناس.
_ العلاقات الاجتماعية: وتشمل
العلاقات الشخصية التي تربط الناس
بعضهم مع بعض.
_ انماط اساليب الحياة التي تعد
الناتج الكلي المركب من التحيزات
(الثقافية والعلاقات الاجتماعية)
(مجموعة من الكتاب، 1997، ص 10).
وهذا يعني ان الثقافة تهدي الانسان
الى القيم، حيث يمارس الاختيار ويعبر
عن نفسه بالطريقة التي يرغبها،
وبالتالي يتعرف الى ذاته، ويعيد النظر
في انجازاته وسلوكاته.
وعلى الرغم من ذلك، فان اية ثقافة لا
تؤلف نظاما مغلقا، او قوالب جامدة يجب
ان يتطابق معها سلوك اعضاء المجتمع
جميعهم. ويتبين من التأكيد على حقيقة
الثقافة السيكولوجية، ان الثقافة بهذه
الصفة، لاتستطيع ان تعمل اي شيء،
لانها ليست سوى مجموع من سلوكات
وانماط وعادات تفكير، عند الاشخاص
الذين يؤلفون مجتمعا خاصا، في وقت
محدد ومكان معين. (هرسكوفيتز، 1974، ص
65) فالثقافة لا توجد الا بوجود
المجتمع، والمجتمع من جهته، لا يقوم
ويبقى الا بالثقافة، لان الثقافة طريق
متميز لحياة الجماعة ونمط متكامل
لحياة افرادها، وهي التي تمد هذه
الجماعة بالادوات اللازمة لاطراد
الحياة فيها، وان كانت ثمة آثار في
ذلك لبعض العوامل البيولوجية
والجغرافية.
ثالثا _ الثقافة والشخصية
ان شخصية الفرد تنمو وتتطور، من
جوانبها المختلفة، داخل الاطار
الثقافي الذي تنشأ فيه وتعيش و تتفاعل
معه حتى تتكامل وتكتسب الانماط
الفكرية والسلوكية التي تسهل تكيف
الفرد، وعلاقاته بمحيطه العام.
وليس ثمة شك في ان الثقافة مسؤولة عن
الجزء الاكبر من محتوى اية شخصية،
وكذلك عن جانب مهم من التنظيم السطحي
للشخصيات، وذلك عن طريق تشديدها على
اهتمامات او اهداف معينة. ويكمن سر
مشكلة العلاقة بين الثقافة والشخصية
في السؤال التالي:«الى اي مدى يمكن
اعتبار الثقافة مسؤولة عن التنظيم
المركزي للشخصيات؟ اي عن الانماط
السيكولوجية؟ وبعبارة اخرى: هل يمكن
للتأثيرات الثقافية ان تنفذ الى لباب
الشخصية وتعد لها؟» (لينتون، 1964، ص
609).
ان الجواب على هذا التساؤل، يكمن في
ان عملية تكوين الشخصية هي عملية
تربوية/ تعليمية _ تثقيفية، حيث يجري
فيها اندماج خبرات الفرد التي يحصل
عليها من البيئة المحيطة، مع صفاته
التكوينية، لتشكل معا وحدة وظيفية
متكاملة تكيفت عناصرها، بعضها مع بعض
تكيفا متبادلا، وان كانت اكثر فاعلية
في مراحل النمو الاولى من حياة الفرد.
ويمكن ان نطلق اسم التثقيف او
المثاقفة ENCULTURTION، على جوانب
تجربة التعليم التي يتميز بها الانسان
عن غيره من المخلوقات، ويوصّل بها الى
اتقان معرفة ثقافته. والتثقيف في
جوهره، سياق تشريط شعوري او لاشعوري،
يجري ضمن الحدود التي تعينها مجموعة
من العادات. ولا ينجم عن هذه العملية
التلاؤم مع الحياة الاجتماعية القائمة
فحسب. بل ينجم ايضا الرضا، وهو نفسه
جزء من التجربة الاجتماعية، ينجم عن
التعبير الفردي وليس عن الترابط مع
الآخرين في الجماعة (هرسكوفيتز، 1974،
ص 34) واذا كان /هرسكوفيتز/قد ركز على
الاستمرارية التاريخية في الثقافة، من
خلال عملية (المثاقفة)، فان /سابير/
يشدد على العلاقة بين الثقافة
والشخصية، استنادا الى الاساس اللغوي
الذي كان له التأثير الكبير في
الانثروبولوجيا البنيوية.
يقول سابير: «هناك علاقة اساسية بين
الثقافة والشخصية. فلاشك في ان انماط
الشخصية المختلفة، تؤثر تأثيرا عميقا
في تفكير عمل المجموعة بكاملها،
وعملها. هذا من جهة، ومن جهة اخرى،
تترسخ بعض اشكال السلوك الاجتماعي، في
بعض الانماط المحددة من انماط
الشخصية، حتى وان لم يتلاءم الفرد
معها الا بصورة نسبية»، (SAPIR, 1967
P. 75).
واذا كان ثمة فرق ما بين الشخصية
والثقافة، فإن ذلك يعود الى الفرق في
الاسس التي تقوم عليها كل منهما.
فالشخصية تعتمد على دماغ الفرد وجهازه
العصبي، ودورة حياتها ما هي الا مظهر
من مظاهر دورة حياة الجسم الانساني.
اما الثقافة فتستند الى مجموع ادمغة
الافراد الذين يؤلفون المجتمع..
وبينما تتطور هذه الادمغة كل بمفرده
وتستقر ثم تموت، تتقدم دوما ادمغة
جديدة لتحل محلها. ومع انه توجد حالات
كثيرة من المجتمعات والثقافات التي
طمستها قوى خارجة عنها، الا انه من
الصعب ان نتصور ان المجتمع او ثقافته،
يمكن ان يموت بسبب الشيخوخة. (لينتون،
1964، ص 387).
وهنا يتجلى تأثير الثقافة القوي
والفاعل في تكوين شخصية الانسان،
الفرد اولا، والمجتمع ثانيا، في
الجوانب التالية:
1_ توفر الثقافة للفرد، صور السلوك
والتفكير والمشاعر، التي ينبغي ان
يكون عليها، ولاسيما في مراحله الاولى،
بحيث ينشأ على قيم وعادات تؤثر في
حياته، بحسب طبيعة ثقافته التي عاش
فيها.
2_ توفر الثقافة للافراد، تفسيرات
جاهزة عن الطبيعة والكون، واصل
الانسان ودورة الحياة.
3_ توفر الثقافة للفرد المعاني
والمعايير التي يستطيع ان يميز _ في
ضوئها _ ما هو صحيح من الامور، وما هو
خاطىء.
4_ تنمي الثقافة الضمير الحي عند
الافراد، بحيث يصبح هذا الضمير _ فيما
بعد _ الرقيب القوي على سلوكاتهم
ومواقفهم.
5_ تنمي الثقافة المشتركة في الفرد،
شعورا بالانتماء والولاء، فتربطه
بالآخرين في جماعته بشعور واحد،
وتميزهم من الجماعات الاخرى.
6_ واخيرا، تكسب الثقافة الفرد،
الاتجاهات السليمة لسلوكه العام، في
اطار السلوك المعترف به من قبل
الجماعة. (عفيفي، 1972، ص 141).
ان ردود فعل الفرد تجاه النظام، هي
التي تؤدي الى نموذج السلوك الذي
ندعوه الشخصية». وتصنف النظم في انظمة
اولية ونظم ثانوية. فالنظم الاولية:
تنشأ عن الشروط التي يمكن ان يتحكم
فيها الفرد، (كالغذاء والعادات
الجنسية، ،انظمة التعليم المختلفة).
اما النظم الثانوية: فتنشأ من اشباع
الحاجات وانخفاض التوتر الناجم عن
النظم الاولية. مثال ذلك: اعتقاد بعض
الشعوب بآلهة، تطمئن القلق الناجم عن
حاجة هذه الشعوب الى تأمين موارد
غذائية دائمة. ان ما يميز هذا الرأي
عما سبقه، هو صفته الديناميكية، لان
بنيان الشخصية الاساسية ينتج عن تحليل
النظم الاجتماعية، وتحليل اثرها على
الافراد في ثقافة بعد اخرى. (هرسكوفيتز،
1974،ص 51).
ومما أدى فيما بعد الى تسهيل الدمج
بين الاسلوبين: الانثروبولوجي
والسيكولوجي، التخلي عن الفرضية
التطورية التي استغلها العلماء
الانثروبولوجيون الاوائل.. والواقع ان
الفرضية (النظرية) التطورية تلاشت،
وحل محلها مفهوم الثقافات بوصفها
وحدات وظيفية متكاملة، كما ظهر
الاتجاه الى دراسة المجتمعات البدائية
باعتبارها كيانات قائمة بذاتها، وهذا
ما دعا اليه /مالينوفسكي/ الرائد
الاول لهذه الحركة. (لينتون، 1967)..
ص 198، لقد اعتمد الباحثون النفسيون _
في الواقع _ على نتائج ملاحظاتهم
المحدودة، كما لو انها قضايا مسلم
بصحتها، فافترضوا وجود غرائز عامة
متنوعة لتعليل ما لاحظوه من ظاهرات..
ثم تبين لهؤلاء العلماء ان معايير
الشخصية تختلف باختلاف المجتمعات
والثقافات، فكان هذا الاكتشاف بمنزلة
صدمة اضطرتهم الى اتخاذ خطوات جذرية
لاعادة تنظيم مفهوماتهم. (لينتون،
1967، ص 30)، ولذلك، فانه على الرغم
من ان الشخصية ليست في واقع الحال،
الا نتاجا للعوامل الثقافية في المقام
الاول، فان الفرد ينزع _ من خلال
تجربته الثقافية _ الى تبني الشخصية
النموذجية التي ترغب فيها جماعته.
ولكن نجاح ذلك لايتحقق بالكامل أبدا،
لان بعض الاشخاص اكثر مرونة من غيرهم،
وبعضهم الآخر يقاوم عملية التثقيف
اكثر من غيره.
وهنا يمكن ان نميز بين ثلاث طرائق في
بحث التفاعل بين الفرد وبين وسطه
الثقافي.
الطريقة الاولى: هي طريقة «الاشكال
الثقافية»، التي تسعى الى تحديد
الانماط السائدة في الثقافات، والتي
تحبذ نمو بعض نماذج الشخصية.
الطريقة الثانية: هي طريقة «الشخصية
النموذجية» التي تؤكد ردود فعل الفرد
تجاه الوسط الثقافي الذي ولد فيه. وهي
طريقة اثنولوجية في اساسها، لان
المرجع فيها دائما هو النظم
الاجتماعية، والانماط الثقافية، التي
تشكل الاطر التي ينمو بداخلها بنيان
الشخصية السائد لدى الجماعة. فهي تركز
اهتمامها على الفرد، معتمدة على تطبيق
التحليل النفسي وعلى الدراسة المقارنة
لمشكلات اوسع، تتمثل في مشكلات
التلاؤم الاجتماعي.
الطريقة الثالثة: هي «طريقة الاسقاط
PROJECTION» التي تستخدم طرائق
الاسقاط المختلفة، في التحليل،
ولاسيما مجموعة /رورشاخ/ من بقع
الحبر، وذلك لتحديد نطاق بنيان
الشخصية في مجتمع معين. وفي هذه
الطريقة يتمثل كل من الفرد والثقافة..
ولاشك في ان استخدام اختبار موحد ترجع
اليه النتائج كلها، يزود بأداة منهجية
لمعرفة بيان شخصية افراد جماعة ما، في
ضوء تثقيفهم على النظم الاجتماعية
والقيم في ثقافتهم. (هرسكوفيتز، 1974،
ص 47 _ 48 )
وهكذا يمكن القول: ان الثقافة تضفي
على حياة الفرد قيمة ومعنى، وتكسب
وجوده غرضا له اهميته. وهي بالتالي
تمد الافراد بالقيم والآمال والاهداف
التي توحد مشاعرهم واساليب حياتهم.
غير ان تشكيل الثقافة تنمو امكاناته
وتتحرر قواه، ويكتسب قدراته المتعددة،
ويصبح بالتالي قادرا على الاختيار
الصحيح والتمييز الواعي. (فالثقافة هي
طرق حياة الناس) مع الاخذ في الحسبان
الفروق الفردية بين الاشخاص، من حيث
تأثرهم بالثقافة او تأثيرهم فيها.
لقد ناقش العلماء طويلا فيما اذا كان
عالم الانثروبولوجيا، يستطيع دراسة
الشخصية في المجتمعات البدائية، دون
ان يخضع _ هو نفسه _ للتحليل النفسي.
ولم يدر حديث طويل عما اذا كان يجب
على عالم التحليل النفسي الذي يهتم
بالدراسة المقارنة للثقافات، ان يحصل
على معلومات مستمدة من خبرة مباشرة
بالمجتمعات التي تختلف عن مجتمعه
اختلافا تاما، في الجزاء والاهداف
وانظمة الحوافز والضبط الاجتماعي.
غير ان مجرد الاقرار بان تركيبات
الشخصية الاساسية تختلف باختلاف
المجتمعات، لا يحقق تقدما اكثر من
مفهوم النمط الثقافي _ السيكولوجي.
ولا يكتسب هذا الاقرار اهمية علمية
الا اذا امكننا تقصي طريق تكون
الشخصية الاساسية، وارجاعها الى اسباب
يمكن التعرف اليها، واذا امكننا ايضا
التوصل الى تعميمات مهمة بشأن العلاقة
بين تكون التركيب الاساسي للشخصية،
وبين الامكانات الفردية الخاصة في
مجالات التكيف. (لينتون، 1967، ص
200).
ومما يلاحظ ان سيكولوجية الشخصية،
سارت في خط تطوري يكاد يكون مماثلا
لخط تطور الاثنولوجيا. فقد وقع هذا
الفرع في بادىء الامر، تحت تأثير
العلوم الطبيعية، فحصر اهتمامه في
الفرد، وحاول تفسير اوجه التشابه
والفروق الفردية على أسس نفسية. ومع
ان علماء النفس سرعان ما ادركوا اهمية
البيئة في تشكيل الشخصية، فإن فائدتها
اقتصرت _ في البداية _ على استخدامها
في تفسير الفروق الفردية.
وبما ان الثقافة _ في جوهرها _ ظاهرة
نفسية، تعيش في عقول الافراد، ولا تجد
تعبيرا عن نفسها الا عن طريقهم، فان
دور الشخصيات الفردية في الابقاء على
الثقافة يتضح بصورة جلية جدا، في
الطريقة التي تتمكن بها اية ثقافة من
البقاء على قيد الحياة، حتى بعد
انقطاع التعبير عنها في سلوك خارجي
ظاهري، وحتى بعد زوال المجتمع الذي
كان يحمل هذه الثقافة في الاصل.
ولذلك، يستطيع عالم الاثنولوجيا ان
يستعيد العناصر الاساسية لثقافة مجتمع
منقرض، من آخر رجل من هذا المجتمع بقي
على قيد الحياة، كما يستطيع ان يستعيد
المهارات الخاصة التي سبق ان تدرب
عليها هذا الرجل. (لينتون، 1964، ص
384).
وتأسيسا على ما تقدم، نجد ان ثمة
علاقة وثيقة وتفاعلية بين الثقافة
وابنائها، فهي التي توجههم في جوانب
حياتهم المختلفة، لدرجة انهم يتصرفون
بطريقة منسجمة وآلية، في معظم الاحيان،
والافراد في المقابل، يؤثرون في هذه
الثقافة ويسهمون في تطويرها واغنائها،
من خلال نتاجاتهم وابداعاتهم الفكرية
والفنية والعلمية.
ولذلك، نرى اهتمام علماء التربية
والاجتماع والانثروبولوجيا، بدراسة
الثقافة للتعرف الى السمات العامة
للفرد او الجماعة (المجتمع) في اطار
مكونات هذه الثقافة، والتعرف بالتالي
على انماط الحياة الاجتماعية للناس،
وتفسيرها والتمييز فيما بينها.
المصادر والمراجع
1_ عفيفي، محمد الهادي (1972) في اصول
التربية، مكتبة الانجلو المصرية،
القاهرة.
2_ لينتون، رالف (1964) دراسة الانسان،
ترجمة: عبد المالك الناشف، المكتبة
العصرية، بيروت.
3_ لينتون، رالف (1967)
الانثروبولوجيا وازمة العالم الحديث،
ترجمة: عبد المالك الناشف، المكتبة
العصرية، بيروت.
4_ مجموعة من الكتاب (1997) نظرية
الثقافة، ترجمة: علي الصاوي، عالم
المعرفة (223) الكويت.
5_ هرسكوفيتز، ج (1974) أسس
الانثروبولوجيا الثقافية، وزارة
الثقافة، دمشق.
6- Barnouw, v. (1972) cultural
ANTHROPOLOGY, Home WOOD Ilinois,
IRWEN Inc -
7- Morin, Edgar (1969)DELA CULTURE
Analyse^, ALAPOLITIQUE CULTURELLE,
COMMUNICA - tion, no: 14, paris.
8- sapir EDWARD (1967) ANTHROPOLOG Y
Research, London.
9- spradley, p. JAMES (1972) CULTURE
AND COGNITION, CHANDLE PUBLISHING
COMPANY, SAN FRANCISCO.
----------
الأنثروبوبولجيا القانونية
تعنى الأنثروبولوجيا القانونية بدراسة القانون ،
والنظم القانونية ، ووسائل الضبط الاجتماعي
الرسمية وغير الرسمية ، ومفهوم الأمن والعدالة
الاجتماعية ، وأسس الدفاع المدني ونظم القضاء غير
الرسمية ، والأعراف المستخدمة في حل المنازعات
الشخصية ، بغية فهم الحقيقة الكلية للقانون الرسمي
، والعرف الاجتماعي ، ووسائل التعبير التي يمكن
الإحساس بها وملاحظتها ، والتعرف على مداها ،. إن
تلك المظاهر المادية للقانون تنطوي على معان خفية
يمكن الكشف عنها من خلال الكشف عن علاقة القانون
بالمتغيرات الاجتماعية وبخاصة تلك التي تتعلق
بوسائل الضبط الاجتماعي.
وتجرى الدراسات الخاصة بأساليب معالجة النزاعات
والادعاء ضمن اطار تاريخي يشمل جميع الحضارات
والنماذج القانونية فيها ، فمعرفة توزيع وكيفية
استخدام الأساليب المختلفة لحل المنازعات الفردية
منها (الادعاء) والثنائية (التفاوض) وثلاثية
الأطراف (الوساطة ، التحكيم وإصدار الحكم) هي أمر
أساسي لتفهم الاتجاه التطوري للقوانين من مرحلة
النزاع وحتى مرحلة الادعاء بعد أن ازداد التعامل
مع الغرباء.
وقد تمت الدراسات الوصفية الميدانية في علم
الإنسان ضمن إطار تأكيد أهمية العلاقة بين أنماط
الإنتاج الاقتصادي ونظام ميكانيكية الضبط
الاجتماعي . ومثال ذلك أن المجتمعات المعتمدة على
الصيد وجمع الغذاء لا تطور بشكل آلي وتلقائي نظماً
قضائية ، وتفضل استخدام أسلوب التفاوض كطريقة
لمعالجة المشاكل، فالمجتمعات الاقتصادية البسيطة
لا تطور سلطات قضائية معقدة ، ولكنها تطور بعض
أشكال معالجة النزاعات كالوساطة والتفاوض
والمساعدة الذاتية ، وهي أساليب توجد في المجتمعات
البسيطة والمعقدة اقتصادياً على حد سواء.
وقد ساعدت المحاولات التي أجريت لاستكشاف العلاقة
بين الأشكال السياسية وطريقة حل النزاعات على
تبديد المفهوم الخاطئ بأن النظام في المجتمع له
علاقة مباشرة مع وجود الأجهزة السياسية المركزية
كالمحاكم والشرطة وأشباهها ، ولما وجدنا أن النظام
يسود في المجتمعات التي تحكمها سلطة ما ،
والمجتمعات التي لاتحكمها أية سلطة استطعنا اكتشاف
عدد كبير من الضوابط التي تحكم السلوك الإنساني
والتي تشبه في عملها عم السلطات التنفيذية في
المجتمعات التي تسودها هذه السلطات. ولهذا لم يعد
بالإمكان حصر دراسة كيفية عمل آليات التحكم
الاجتماعي بالمؤسسات القضائية وحدها . فمفاهيم
العار ، والسخرية ، وتصارع الولاء ، والتفاوض ،
والوساطة والتحكيم ، وإصدار الأحكام صار لها
جميعها ثقل متساو في الدراسات الميدانية لأن الهدف
الأساسي هو فهم أساليب معالجة النزاع والعناصر
التي تلعب دوراً في معالجته كجزء من نظام إدارة
اجتماعي وليس كجزء من نظام قضائي بحت.
وهكذا فإن ميدان الأنثروبولوجيا القانونية يهتم
بوصف العديد من الاتجاهات المعنية بالعلاقات
الموجودة بين وسائل الضبط الاجتماعي ، وما ينبثق
عنها من قوانين وأعراف وبين الحقائق الاجتماعية
والسياسية والاقتصادية والنفسية والحضارية
-----
الأنثروبولوجيا السياسية :
تتناول الأنثروبولوجيا السياسية بالدراسة أثر
المتغيرات الاجتماعية والحضارية في تشكيل بنية
السلطة السياسية ، وتطور أنظمة الحكم في المجتمع ،
فالنظم الاجتماعية والعناصر الحضارية من وجهة نظر
هذا الميدان (متحولات) ، وأمور السياسة وشؤونها
عوامل تابعة تتأثر بالعوامل الاجتماعية وتتغير
بتغيرها ، وعلى هذا فإن أي فهم دقيق للنظم
والمؤسسات السياسية يتطلب تحليلاً لمرتكزاتها
الحضارية ، ورصداً لعناصر التغير في المجتمع.
وتتصدى الأنثروبولوجيا السياسية لموضوعات كثيرة
وهامة ، وتستخدم مفاهيم تحليلية تترابط مع منظومة
العلوم الاجتماعية الأخرى ، وبخاصة مع مفاهيم علوم
الاجتماع والسياسة والتاريخ.
وإذا كانت مفاهيم (الطبقة) و(الكاريزما) ،
و(المكانة الاجتماعية) و(التماسك الاجتماعي)
و(الدور) مركزية في فهم أسس النظام السياسي
المعاصر ، فإن مفاهيم (العصبية) و(النزاع)
و(الوساطة) وسبل حل المنازعات بين الشعوب ،
و(المنافسة والحسد والشماتة) ركائز أساسية في
ميدان الأنثروبولوجيا السياسية.
فمن الملاحظ أن الحسد والغيرة والشماتة مفاهيم
اجتماعية وجدت مع وجود الإنسان ، وتتلازم معه في
مراحل نموه الاجتماعي والعمري ، فالصبية بتقاتلون
وبتنافسون وكذلك الرجال والنساء ، ومن مخلفات
التنافس في مراحل الطفولة أن الإنسان عندما يتسابق
مع أقرانه ويشعر بعجز عن اللحاق بهم لضعف أقدامه ،
أو لعدم بذله الجهد الكافي ، فإنه يحاول أن يمسك
بأول شيء تعلق به يده من جسد خصمه في السباق بمافي
ذلك الثياب والشعر حتى يقارب المسافة بين تأخره
وتقدم صاحبه عليه ، وإن كان في ذلك بعض الألم
للمبرز والمنافس المستحق للنجاح استناداً إلى
طاقاته وجهده الذي يبذله على حساب أشياء أخرى في
الحياة ، وإذا كان التعبير عن المنافسة يأخذ
طابعاً عدوانياً في بعض الحالات ، فإن بعض
المجتمعات شذبت وهذبت أعمال المنافسة بين الإنسان
وأخيه الإنسان فجعلت العمل مقروناً بالأجر.
-------------------
الأنثروبولوجيا الفلسفية :
يعمد المختصون في هذا الميدان من ميادين الأنثروبولوجيا إلى
دراسة الطريقة المنطقية التي تتشكل منها النظريات المرتبطة
بالإنسان والمقولات والقضايا النظرية الموجهة للبحث : عن أصل
الإنسان ، وانتشاره على امتداد القارات ، وتوزعه في أجناس
وعروق . ويدخل في نطاق الأنثروبولوجيا الفلسفية أيضاً التوجه
المنهجي المحدد لاستفاء البراهين ، والدلالة على صحة
الافتراضات المنبثقة من النظريات.
وهكذا يشمل المنهج المعرفي في الأنثروبولوجيا الفلسفية النظرة
الشمولية للفهم بمعناه الواسع ، والطريقة المنطقية التي يشكل
حسبها بناء النظريات من المفاهيم التحليلية والقضايا الموجهة ،
وأسلوب البرهنة على شرعية وصحة الافتراضات العلمية المفسرة
لوجود الإنسان على سطح الأرض وارتقائه في سلم التطور الاجتماعي
والحضاري والثقافي.
وبعد إدراك الإنسان للزمان والمكان من الموضوعات الأساسية التي
تتناولها الأنثروبولوجيا الفلسفية حيث تتسع مفرداتها لتتجاوز
نطاق الواقع الاجتماعي المحدود ، إلى آفاق أرحب تعالج الزمن في
إطار التاريخ والتطور ، ومن الظواهر الاجتماعية في مدة محددة
من التاريخ إلى مفهوم أنظمة عالمية إنسانية في سياق التطور
والتقدم . فالثقافة من هذا المنظور إنسانية لاتعرف حدوداً
للزمان كما لاتتقيد بحدود المكان ، فهي مكتسبة عن طريق التعلم
ومشتركة بين الناس جميعاً ، ويتم انتقاء عناصرها بفعل ما يتوفر
للناس من إمكانات وقدرات وسمات عامة .
وتهتم الانثروبولوجيا المعرفية بدراسة ارتباط الحياة العقلية
في برهة تاريخية ما بالقوى السياسية والاجتماعية ، وتبدل أسس
التفكير الإنساني من خلال تبدل الجذور الاجتماعية المعرفية
الإنسانية التي تتباين من مجتمع لآخر ، وفي المجتمع الواحد عبر
العصور . وتعنى الأنثروبولوجيا الفلسفية أيضاً بدراسة التفكير
المنطقي ، من خلال رصد التحولات الاجتماعية التي تعزز تلك
المعارف ، والدوائر التي تتشابك فيها المعرفة الشائعة بالمعرفة
العلمية.
وهكذا فإن الأنثروبولوجيا الفلسفية تهتم بالحياة الفكرية ،
وبنسق التفكير وبشكل المعرفة وبطرق دراسة الحقائق الاجتماعية
أو تجريبها واقعياً ، وكشفها في مرحلة تاريخية معينة ،
والأفكار والوقائع والمعايير السائدة في المجتمع ، وبالعوامل
التي أدت إلى وجودها وبمدى مطابقة هذه الأفكار لمنطق التطور
التاريخي في المجتمع