الرجوع الى الرئيسية>>>

نزول الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال

بسم الله الرحمن الرحيم

قال ‏‏:‏‏ حدثنا أبو محمد عبدالملك بن هشام ، قال ‏‏:‏‏ حدثنا زياد بن عبدالله البكائي ، عن محمد بن إسحاق المطلبي ‏‏:‏‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحلل له الدماء ، إنما يؤمر بالدعاء إلى الله والصبر على الأذى ، والصفح عن الجاهل ، وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم ونفوهم من بلادهم ، فهم من بين مفتون في دينه ، ومن بين معذب في أيديهم ، ومن بين هارب في البلاد فرارا منهم ، منهم من بأرض الحبشة ، ومنهم من بالمدينة ، وفي كل وجه ؛ فلما عتت قريش على الله عز وجل ، وردوا عليه ما أرادهم به من الكرامة ، وكذبوا نبيه صلى الله عليه وسلم ، وعذبوا ونفوا من عبده ووحَّده وصدق نبيه ، واعتصم بدينه ، أذن الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في القتال والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم ‏‏.‏‏

فكانت أول آية أنزلت في إذنه له في الحرب ، وإحلاله له الدماء والقتال ، لمن بغى عليهم ، فيما بلغني عن عروة بن الزبير وغيره من العلماء ، قول الله تبارك وتعالى ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ أذن للذين يُقاتَلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ‏‏.‏‏ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهُدِّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يُذكر فيها اسم الله كثيرا ، ولينصرن اللهُ من ينصره ، إن الله لقوي عزيز ‏‏.‏‏ الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ، وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ، ونهوا عن المنكر ، ولله عاقبة الأمور ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ أي ‏‏:‏‏ أني إنما أحللت لهم القتال لأنهم ظُلموا ، ولم يكن لهم ذنب فيما بينهم وبين الناس ، إلا أن يعبدوا الله ، وأنهم إذا ظهروا أقاموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، وأمروا بالمعروف ، ونهوا عن المنكر ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أجميعن ، ثم أنزل الله تبارك وتعالى عليه ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ أي ‏‏:‏‏ حتى لا يُفتن مؤمن عن دينه ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ويكون الدين لله ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ أي ‏‏:‏‏ حتى يُعبدالله ، لا يعبد معه غيره ‏‏.‏‏

 إذنه صلى الله عليه و سلم لمسلمي مكة بالهجرة إلى المدينة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فلما أذن الله تعالى له صلى الله عليه وسلم في الحرب ، وبايعه هذا الحي من الأنصار على الإسلام والنصرة له ولمن اتبعه ، وأوى إليهم من المسلمين ، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من المهاجرين من قومه ، ومن معه بمكة من المسلمين ، بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها ، واللحوق بإخوانهم من الأنصار ، وقال ‏‏:‏‏ إن الله عز وجل قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها ‏‏.‏‏

فخرجوا أرسالا ، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة ، والهجرة إلى المدينة ‏‏.‏‏

ذكر المهاجرين إلى المدينة  

هجرة أبي سلمة وامرأته ، و حديثه عما لقياه

فكان أول من هاجر إلى المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين من قريش ، من بني مخزوم ‏‏:‏‏ أبو سلمة بن عبدالأسد بن هلال بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ، واسمه ‏‏:‏‏ عبدالله ، هاجر إلى المدينة قبل بيعة أصحاب العقبة بسنة ، وكان قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة من أرض الحبشة ، فلما آذته قريش وبلغه إسلام من أسلم من الأنصار ، خرج إلى المدينة مهاجرا ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فحدثني أبي إسحاق بن يسار ، عن سلمة بن عبدالله ابن عمر بن أبي سلمة ، عن جدته أم سلمة ، زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت ‏‏:‏‏ لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لي بعيره ثم حملني عليه ، وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري ، ثم خرج بي يقود بي بعيره ، فلما رأته رجال بنى المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم قاموا إليه ، فقالوا ‏‏:‏‏ هذه نفسك غلبتنا عليها ، أرأيت صاحبتك هذه ‏‏؟‏‏ علام نتركك تسير بها في البلاد ‏‏؟‏‏ قالت ‏‏:‏‏ فنـزعوا خطام البعير من يده ، فأخذوني منه ‏‏.‏‏

قالت ‏‏:‏‏ وغضب عند ذلك بنو عبدالأسد ، رهط أبي سلمة ، فقالوا ‏‏:‏‏ لا والله ، لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا ‏‏.‏‏ قالت ‏‏:‏‏ فتجاذبوا بُنيَّ سلمة بينهم حتى خلعوا يده ، وانطلق به بنو عبدالأسد ، وحبسني بنو المغيرة عندهم ، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة ‏‏.‏‏ قالت ‏‏:‏‏ ففرق بيني وبين زوجي وبين ابني ‏‏.‏‏

قالت ‏‏:‏‏ فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح ، فما أزال أبكي ، حتى أمسى سنة أو قريبا منها حتى مر بي رجل من بني عمي ، أحد بني المغيرة ، فرأى ما بي فرحمنى فقال لبني المغيرة ‏‏:‏‏ ألا تخُرجون هذه المسكينة ، فرّقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها ‏‏!‏‏ قالت ‏‏:‏‏ فقالوا لي ‏‏:‏‏ الحقي بزوجك إن شئت ‏‏.‏‏ قالت ‏‏:‏‏ و ردَّ بنو عبدالأسد إلي عند ذلك ابني ‏‏.‏‏

قالت ‏‏:‏‏ فارتحلت بعيري ثم أخذت ابني فوضعته في حجري ، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة ‏‏.‏‏ قالت ‏‏:‏‏ وما معي أحد من خلق الله ‏‏.‏‏ قالت ‏‏:‏‏ فقلت ‏‏:‏‏ أتبلَّغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي ؛ حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة ، أخا بني عبدالدار ، فقال لي ‏‏:‏‏ إلى أين يا بنت أبي أمية ‏‏؟‏‏ قالت ‏‏:‏‏ فقلت ‏‏:‏‏ أريد زوجي بالمدينة ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ أوما معك أحد ‏‏؟‏‏ قالت ‏‏:‏‏ فقلت ‏‏:‏‏ لا والله ، إلا الله وبُني هذا ، قال ‏‏:‏‏ والله ما لك من مترك ، فأخذ بخطام البعير ، فانطلق معي يهوي بي ، فوالله ما صحبت رجلا من العرب قط ، أرى أنه كان أكرم منه ، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي ، ثم استأخر عني ، حتى إذا نزلت استأخر ببعيري ، فحط عنه ، ثم قيده في الشجرة ، ثم تنحى عني إلى شجرة ، فاضطجع تحتها ، فإذا دنا الرواح ، قام إلى بعيري فقدمه فرحله ، ثم استأخر عني ، وقال ‏‏:‏‏ اركبي ‏‏.‏‏ فإذا ركبت واستويت على بعيري أتى فأخذه بخطامه ، فقاده ، حتى ينزل بي ‏‏.‏‏ فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة ، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء ، قال ‏‏:‏‏ زوجك في هذه القرية - وكان أبو سلمة بها نازلا - فادخليها على بركة الله ، ثم انصرف راجعا إلى مكة ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فكانت تقول ‏‏:‏‏ والله ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة ، وما رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة ‏‏.‏‏

هجرة عامر بن ربيعة و زوجه ، وهجرة بني جحش

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم كان أول من قدمها من المهاجرين بعد أبي سلمة ‏‏:‏‏ عامر بن ربيعة ، حليف بني عدي بن كعب ، معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة بن غانم بن عبدالله بن عوف بن عبيد بن عدي بن كعب ‏‏.‏‏ ثم عبدالله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كثير بن غنم ابن دودان بن أسد بن خزيمة ، حليف بني أمية بن عبد شمس ، احتمل بأهله وبأخيه عبد بن جحش ، وهو أبو أحمد - وكان أبو أحمد رجلا ضرير البصر ، وكان يطوف مكة ، أعلاها وأسفلها ، بغير قائد ، وكان شاعرا ، وكانت عنده الفرعة بنت أبي سفيان بن حرب ، وكانت أمه أميمة بنت عبدالمطلب بن هاشم - فغُلِّقت دار بني جحش ‏هجرة ، فمر بها عتبة بن ربيعة ، والعباس بن عبدالمطلب ، وأبو جهل ابن هشام بن المغيرة ، وهي دار أبان بن عثمان اليوم التي بالردم ، وهم مصعدون إلى أعلى مكة ، فنظر إليها عتبة بن ربيعة تخفق أبوابها يبابا ، ليس فيها ساكن ، فلما رآها كذلك تنفس الصعداء ، ثم قال ‏‏:‏‏

وكل دار وإن طالت سلامتها * يوما ستدركها النكباء والحُوب

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وهذا البيت لأبي دؤاد الإيادي في قصيدة له ‏‏.‏‏ والحوب ‏‏:‏‏ التوجع ، و هو في موضع آخر ‏‏:‏‏ الحاجة ؛ و يقال ‏‏:‏‏ الحوب ‏‏:‏‏ الإثم ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم قال عتبة بن ربيعة ‏‏:‏‏ أصبحت دار بني جحش خلاء من أهلها ‏‏!‏‏ فقال أبو جهل ‏‏:‏‏ وما تبكي عليه من قُلّ بن قُلّ ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ القل ‏‏:‏‏ الواحد ‏‏.‏‏ قال لبيد بن ربيعة ‏‏:‏‏

كل بني حرة مصيرهم * قُلّ وإن أكثرت من العددِ

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم قال ‏‏:‏‏ هذا عمل ابن أخي هذا ، فرق جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وقطع بيننا ‏‏.‏‏ فكان منزل أبي سلمة بن عبدالأسد ، وعامر بن ربيعة ، وعبدالله بن جحش ، وأخيه أبي أحمد بن جحش ، على مبشر بن عبدالمنذر بن زنبر بقباء ، في بني عمرو بن عوف ، ثم قدم المهاجرون أرسالا ، وكان بنو غنم بن دوادن أهل إسلام ، قد أوعبوا إلى المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هجرة رجالهم ونساؤهم ‏‏:‏‏ عبدالله بن جحش ، وأخوه أبو أحمد بن جحش ، وعُكَّاشة بن محصن ، وشجاع ، وعقبة ، ابنا وهب ، وأربد بن حُمَيِّرة ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويقال ‏‏:‏‏ ابن حُمَيْرَة ‏‏.‏‏

هجرة بعض الرجال ونسائهم

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ومنقذ بن نباتة ، وسعيد بن رقيش ، ومحرز بن نضلة ، ويزيد بن رقيش ، وقيس بن جابر ، وعمرو بن محصن ، ومالك بن عمرو ، وصفوان بن عمرو ، وثقف بن عمرو ، وربيعة بن أكثم ، والزبير بن عبيد ، وتمام بن عبيدة ، وسخبرة بن عبيدة ، ومحمد بن عبدالله بن جحش ‏‏.‏‏

هجرة نسائهم

ومن نسائهم ‏‏:‏‏ زينب بنت جحش ، وأم حبيب بنت جحش ، وجذامة بنت جندل ، وأم قيس بنت محصن ، وأم حبيب بنت ثمامة ، وآمنة بنت رقيش ، وسخبرة بنت تميم ، وحمنة بنت جحش ‏‏.‏‏

شعر أبي أحمد بن جحش في هجرة بني أسد

وقال أبو أحمد بن جحش بن رئاب ، وهو يذكر هجرة بني أسد بن خزيمة من قومه إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإيعابهم في ذلك حين دُعوا إلى الهجرة ‏‏:‏‏

ولو حلفت بين الصفا أم أحمد * ومروتها بالله برت يمينها

لنحن الأُلى كنا بها ثم لم نزل * بمكة حتى عاد غثا سمينها

بها خيمت غنم بن دودان وابتنت * وما إن غدت غنم وخفّ قطينها

إلى الله تغدو بين مثنى وواحد * ودين رسول الله بالحق دينها

وقال أبو أحمد بن جحش أيضا ‏‏:‏‏

لما رأتني أم أحمد غاديا بذمة * من أخشى بغيب وأرهبُ

تقول ‏‏:‏‏ فإما كنت لا بد فاعلا * فيمم بنا البلدان ولتنأ يثرب

فقلت لها ‏‏:‏‏ بل يثرب اليوم وجهنا * وما يشإِ الرحمن فالعبد يركب

إلى الله وجهي والرسول ومن يُقم * إلى الله يوما وجهه لا يخُيَّب

فكم قد تركنا من حميم مناصح * وناصحة تبكي بدمع وتندب

ترى أن وترا نأينا عن بلادنا * ونحن نرى أن الرغائب تطلب

دعوت بني غنم لحقن دمائهم * وللحق لما لاح للناس ملحب

أجابوا بحمد لله لما دعاهم * إلى الحق داع والنجاح فأوعبوا

وكنا وأصحابا لنا فارقوا الهدى * أعانوا علينا بالسلاح وأجلبوا

كَفوجَيْن ‏‏:‏‏ أما منهما فموفَّق * على الحق مهدي ، وفوج معذب

طغوا وتمنوا كذبة وأزلهَّم * عن الحق إبليس فخابوا وخُيِّبوا

ورِعْنا إلى قول النبي محمد * فطاب ولاة الحق منا وطُيبوا

نَمُتُّ بأرحام إليهم قريبة * ولا قرب بالأرحام إذ لا نُقرَّب

فأي ابن أخت بعدنا يأمنَّنكم * وأية صهر بعد صهريَ تُرقبُ

ستعلم يوما أينا إذ تزايلوا * وزُيِّل أمر الناس للحق أصوب

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ قوله ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ولتنأ يثرب ‏‏)‏‏ ، وقوله ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ إذ لا نقرب ‏‏)‏‏ ، عن غير ابن إسحاق ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ يريد بقوله ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ إذ ‏‏)‏‏ إذا ، كقول الله عز وجل ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ إذ الظالمون موقوفون عند ربهم ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ قال أبو النجم العجلي ‏‏:‏‏

ثم جزاه الله عنا إذ جزى * جنات عدن في العلاليِّ والعُلا

هجرة عمر وقصة عياش وهشام معه

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم خرج عمر بن الخطاب ، وعياش بن أبي ربيعة المخزومي ، حتى قدما المدينة ‏‏.‏‏ فحدثني نافع مولى عبدالله بن عمر ، عن عبدالله بن عمر ، عن أبيه عمر بن الخطاب ، قال ‏‏:‏‏ اتعدت ، لما أردنا الهجرة إلى المدينة ، أنا وعياش بن أبي ربيعة ، وهشام ‏بن العاصي بن وائل السهمي التَّناضِبَ من أضاة بني غفار ، فوق سَرِف ، وقلنا ‏‏:‏‏ أينا لم يصبح عندها فقد حُبس فليمض صاحباه ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فأصبحت أنا وعياش بن أبي ربيعة عند التناضب ، وحبس عنا هشام ، وفُتن فافتتن ‏‏.‏‏

أبو جهل و الحارث يغرران بعياش بن أبي ربيعة

فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء ، وخرج أبو جهل ابن هشام والحارث بن هشام إلى عياش بن أبي ربيعة ، وكان ابنَ عمهما وأخاهما لأمهما ، حتى قدما علينا المدينة ، ورسول الله صلى عليه وسلم بمكة ، فكلماه وقالا ‏‏:‏‏ إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط حتى تراك ، ولا تستظل من شمس حتى تراك ، فرق لها ، فقلت له ‏‏:‏‏ يا عياش ، إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم ، فوالله لو قد آذى أمك القمل لامتشطت ، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت ، قال ‏‏:‏‏ فقال ‏‏:‏‏ أبر قسم أمي ، و لي هنالك مال فآخذه ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فقلت ‏‏:‏‏ والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالا ، فلك نصف مالي ولا تذهب معهما ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فأبى علي إلا أن يخرج معهما ؛ فلما أبى إلا ذلك ؛ قال ‏‏:‏‏ قلت له ‏‏:‏‏ أما إذ قد فعلت ما فعلت ، فخذ ناقتي هذه ، فإنها ناقة نجيبة ذلول ، فالزم ظهرها ، فإن رابك من القوم ريب ، فانج عليها ‏‏.‏‏

فخرج عليه معهما ، حتى إذا كانوا ببعض الطريق ، قال له أبو جهل ‏‏:‏‏ يا ابن أخي ، والله لقد استغلظت بعيري هذا ، أفلا تُعْقبني على ناقتك هذه ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ بلى ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فأناخ ، وأناخا ليتحول عليها ، فلما استووا بالأرض عدوا عليه ، فأوثقاه وربطاه ، ثم دخلا به مكة ، وفتناه فافتتن ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فحدثني به بعض آل عياش بن أبي ربيعة ‏‏:‏‏ أنهما حين دخلا به مكة دخلا به نهارا موثقا ، ثم قالا ‏‏:‏‏ يا أهل مكة ، هكذا فافعلوا بسفهائكم ، كما فعلنا بسفيهنا هذا ‏‏.‏‏

كتاب عمر إلى هشام بن العاصي

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني نافع ، عن عبدالله بن عمر ، عن عمر في حديثه ، قال ‏‏:‏‏ فكنا نقول ‏‏:‏‏ ما الله بقابل ممن افتتن صرفا ولا عدلا ولا توبة ، قوم عرفوا الله ، ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم ‏‏!‏‏ قال ‏‏:‏‏ وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم ‏‏.‏‏

فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، أنزل الله تعالى فيهم ، وفي قولنا وقولهم لأنفسهم ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ، إن الله يغفر الذنوب جميعا ، إنه هو الغفور الرحيم ‏‏.‏‏ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون ‏‏.‏‏ واتبعوا أحسن ما أُنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

قال عمر بن الخطاب ‏‏:‏‏ فكتبتها بيدي في صحيفة ، وبعثت بها إلى هشام بن العاصي ، قال ‏‏:‏‏ فقال هشام بن العاصي ‏‏:‏‏ فلما أتتني جعلت أقرؤها بذي طُوى ، أُصعِّد بها فيه وأصوب ولا أفهمها ، حتى قلت ‏‏:‏‏ اللهم فهمنيها ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فألقى الله تعالى في قلبي إنما أنزلت فينا ، وفيما كنا نقول في أنفسنا ويقال فينا ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فرجعت إلى بعيري ، فجلست عليه ، فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة ‏‏.‏‏

خروج الوليد بن الوليد إلى مكة في أمر عياش وهشام

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ فحدثني من أثق به ‏‏:‏‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ، وهو بالمدينة ‏‏:‏‏ من لي بعياش بن أبي ربيعة ، وهشام بن العاصي ‏‏؟‏‏ فقال الوليد بن الوليد بن المغيرة ‏‏:‏‏ أنا لك يا رسول الله بهما ، فخرج إلى مكة ، فقدمها مستخفيا ، فلقي امرأة تحمل طعاما ، فقال لها ‏‏:‏‏ أين تريدين يا أمة الله ‏‏؟‏‏ قالت ‏‏:‏‏ أريد هذين المحبوسين - تعنيهما - فتبعها حتى عرف موضعهما ، وكانا محبوسين في بيت لا سقف له ؛ فلما أمسى تسور عليهما ، ثم أخذ مروة فوضعها تحت قيديهما ، ثم ضربهما بسيفه فقطعهما ، فكان يقال لسيفه ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ذو المروة ‏‏)‏‏ لذلك ، ثم حملهما على بعيره ، وساق بهما ، فعثر فدميت أصبعه ، فقال ‏‏:‏‏

هل أنت إلا أصبع دميتِ * وفي سبيل الله ما لقيتِ

ثم قدم بهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ‏‏.‏‏ ‏

منازل المهاجرين بالمدينة

منزل عمر وأخيه ، وعمرو وعبدالله ابني سراقة ، وخنيس بن حذافة ، وبني البكير

قال ابن اسحاق ‏‏:‏‏ ونزل عمر بن الخطاب حين قدم المدينة ومن لحق به من أهله وقومه ، وأخوه زيد بن الخطاب ؛ وعمرو وعبدالله ابنا سراقة ابن المعتمر وخنيس بن حذافة السهمي - وكان صهره على ابنته حفصة بنت عمر ، فخلف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده - وسعيد بن زيد عمرو بن نفيل ؛ وواقد بن عبدالله التميمي ، حليف لهم ؛ وخولي بن أبي خولي ؛ ومالك بن أبي خولي ، حليفان لهم ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ أبو خولي ‏‏:‏‏ من بني عجل بن لجيم بن صعب بن علي ابن بكر بن وائل ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وبنو البكير أربعتهم ‏‏:‏‏ إياس بن البكير ، وعاقل بن البكير ، وعامر بن البكير ، وخالد بن البكير ، وحلفاؤهم من بني سعد ابن ليث ، على رفاعة بن عبدالمنذر بن زنبر ، في بني عمرو بن عوف بقباء ، وقد كان منزل عياش بن أبي ربيعة معه عليه حين قدما المدينة ‏‏.‏‏

منزل طلحة وصهيب

ثم تتابع المهاجرون ، فنزل طلحة بن عبيد الله بن عثمان ، وصهيب بن سنان ، على خبيب بن إساف ، أخي بلحارث‏ بن الخزرج بالسُّنْح ‏‏.‏‏ ويقال ‏‏:‏‏ بل نزل طلحة بن عبيد الله على أسعد بن زرارة ، أخي بني النجار ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وذُكر لي عن أبي عثمان النهدي ، أنه قال ‏‏:‏‏ بلغني أن صهيبا حين أراد الهجرة قال له كفار قريش ‏‏:‏‏ أتيتنا صعلوكا حقيرا ، فكثر مالك عندنا ، وبلغت الذي بلغت ، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك ، والله لا يكون ذلك ؛ فقال لهم صهيب ‏‏:‏‏ أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي ‏‏؟‏‏ قالوا ‏‏:‏‏ نعم ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فإني جعلت لكم مالي ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال ‏‏:‏‏ ربح صهيب ، ربح صهيب ‏‏.‏‏

منزل حمزة وزيد وأبي مرثد وابنه وأنسة وأبي كبشة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ونزل حمزة بن عبدالمطلب ، وزيد بن حارثة ، وأبو مرثد كنَّاز بن حصن ‏‏.‏‏

- قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويقال ‏‏:‏‏ ابن حصين - وابنه مرثد الغنويان ، حليفا حمزة بن عبدالمطلب ، وأنسة ، وأبو كبشة ، موليا رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ، على كلثوم بن هدم ، أخي بني عمرو بن عوف بقباء ، ويقال ‏‏:‏‏ بل نزلوا على سعد بن خيثمة ؛ ويقال ‏‏:‏‏ بل نزل حمزة بن عبدالمطلب على أسعد بن زرارة ، أخي بني النجار ‏‏.‏‏ كل ذلك يقال ‏‏.‏‏

منزل عبيدة وأخيه الطفيل والحصين وغيرهم

ونزل عبيدة بن الحارث بن المطلب ، وأخوه الطفيل بن الحارث ، والحصين بن الحارث ، ومسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب ، وسويبط بن سعد بن حريملة ، أخو بني عبدالدار ، وطليب بن عمير ، أخو بني عبد بن قصي ، وخباب ، مولى عتبة بن غزوان ، على عبدالله بن سلمة ، أخي بَلْعجلان بقباء ‏‏.‏‏

منزل عبدالرحمن بن عوف

ونزل عبدالرحمن بن عوف في رجال من المهاجرين على سعد بن الربيع أخي بلحارث بن الخزرج ، في دار بلحارث بن الخزرج ‏‏.‏‏

 

منزل الزبير وأبي سبرة

ونزل الزبير بن العوام ، وأبو سبرة بن أبي رهم بن عبدالعزى ، على منذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح بالعصبة ، دار بني جحجبى ‏‏.‏‏

منقول للفائدة   من موقع ندا الايمان