الرجوع الى الرئيسية>>>

موقف آل أبي بكر بعد الهجرة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فحدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير أن أباه عبادا حدثه عن جدته أسماء بنت أبي بكر ، قالت ‏‏:‏‏ لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخرج أبو بكر معه ، احتمل أبو بكر ماله كله ، ومعه خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف ، فانطلق بها معه ‏‏.‏‏

قالت ‏‏:‏‏ فدخل علينا جدي أبو قحافة ، وقد ذهب بصره ، فقال ‏‏:‏‏ والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه ‏‏.‏‏ قالت ‏‏:‏‏ قلت ‏‏:‏‏ كلا يا أبت ‏‏!‏‏ إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا ‏‏.‏‏ قالت ‏‏:‏‏ فأخذت أحجارا فوضعتها في كوة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها ، ثم وضعت عليها ثوبا ، ثم أخذت بيده ، فقلت ‏‏:‏‏ يا أبت ، ضع يدك على هذا المال ‏‏.‏‏ قالت ‏‏:‏‏ فوضع يده عليه ، فقال ‏‏:‏‏ لا بأس ، إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن ، وفي هذا بلاغ لكم ‏‏.‏‏ ولا والله ما ترك لنا شيئا ، ولكني أردت أن أسكن الشيخ بذلك ‏‏.‏‏  سراقة بن مالك و ركوبه في أثر الرسول صلى الله و سلم

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني الزهري أن عبدالرحمن بن مالك بن جعشم حدثه ، عن أبيه ، عن عمه سراقة بن مالك بن جعشم ، قال ‏‏:‏‏ لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجرا إلى ‏‏ المدينة ، جعلت قريش فيه مائة ناقة لمن رده عليهم ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فبينا أنا جالس في نادي قومي إذ أقبل رجل منا ، حتى وقف علينا ، فقال ‏‏:‏‏ والله لقد رأيت ركبة ثلاثة مروا علي آنفا ، إني لأراهم محمدا وأصحابه ، قال ‏‏:‏‏ فأومأت إليه بعيني ‏‏:‏‏ أن اسكت ، ثم قلت ‏‏:‏‏ إنما هم بنو فلان ، يبتغون ضالة لهم ؛ قال ‏‏:‏‏ لعله ، ثم سكت ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ ثم مكثت قليلا ، ثم قمت فدخلت بيتي ، ثم أمرت بفرسي ، فقيد لي إلى بطن الوادي ، وأمرت بسلاحي ، فأُخرج لي من دبر حجرتي ، ثم أخذت قداحي التي أستقسم بها ، ثم انطلقت ، فلبست لأمتي ، ثم أخرجت قداحي ، فاستقسمت بها ؛ فخرج السهم الذي أكره ‏‏(‏‏ لا يضره ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ وكنت أرجو أن أرده على قريش ، فآخذ المائة الناقة ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فركبت على أثره ، فبينما فرسي يشتد بي عثر بي ، فسقطت عنه ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فقلت ‏‏:‏‏ ما هذا ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها ، فخرج السهم الذي أكره ‏‏(‏‏ لا يضره ‏‏)‏‏ قال ‏‏:‏‏ فأبيت إلا أن أتبعه ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فركبت في أثره ، فبينا فرسي يشتد بي ، عثر بي ، فسقطت عنه ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فقلت ‏‏:‏‏ ما هذا ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها ، فخرج السهم الذي أكره ‏‏(‏‏ لا يضره ‏‏)‏‏ قال ‏‏:‏‏ فأبيت إلا أن أتبعه ، فركبت في أثره ‏‏.‏‏ فلما بدا لي القوم ورأيتهم ، عثر بي فرسي ، فذهبت يداه في الأرض ، وسقطت عنه ، ثم انتزع يديه من الأرض ، وتبعهما دخان كالإعصار ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد مُنع مني ، وأنه ظاهر‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فناديت القوم ‏‏:‏‏ فقلت ‏‏:‏‏ أنا سراقة بن جعشم ‏‏:‏‏ انظروني أكلمكم ، فوالله لا أريبكم ، ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه ‏‏.‏‏  قال ‏‏:‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر ‏‏:‏‏ قل له ‏‏:‏‏ وما تبتغي منا ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ فقال ذلك أبو بكر ، قال ‏‏:‏‏ قلت ‏‏:‏‏ تكتب لي كتابا يكون آية بيني وبينك ‏‏.‏‏  قال ‏‏:‏‏ اكتب له يا أبا بكر ‏‏.‏‏

 إسلام سراقة بن جعشم

قال ‏‏:‏‏ فكتب لي كتابا في عظم ، أو في رقعة ، أو في خزفة ، ثم ألقاه إلي ، فأخذته ، فجعلته في كنانتي ، ثم رجعت ، فسكت فلم أذكر شيئا مما كان ، حتى إذا كان فتح مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفرغ من حنين والطائف ، خرجت ومعي الكتاب لألقاه ، فلقيته بالجعرانة ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فدخلت في كتيبة من خيل الأنصار ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فجعلوا يقرعونني بالرماح ويقولون ‏‏:‏‏ إليك إليك ، ماذا تريد ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ فدنوت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته ، والله لكأني أنظر إلى ساقه في غرزه كأنها جمارة ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فرفعت يدي بالكتاب ، ثم قلت ‏‏:‏‏ يا رسول الله ، هذا كتابك لي ، أنا سراقة بن جعشم ؛ قال ‏‏:‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ يوم وفاء وبر ، ادنُهْ ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فدنوت منه ، فأسلمت ‏‏.‏‏ ثم تذكرت شيئا أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فما أذكره ، إلا أني قلت ‏‏:‏‏ يا رسول الله ، الضالة من الإبل تغشى حياضي ، وقد ملأتها لإبلي ، هل لي من أجر في أن أسقيها ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ نعم ، في كل ذات كبد حرّى أجر ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ ثم رجعت إلى قومي ، فسقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقتي ‏‏.‏‏

تصويب نسب عبدالرحمن الجعشمي

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ عبدالرحمن بن الحارث بن مالك بن جعشم ‏‏.‏‏

 طريق الهجرة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فلما خرج بهما دليلهما عبدالله بن أرقط ، سلك بهما أسفل مكة ، ثم مضى بهما على الساحل ، حتى عارض الطريق أسفل من عسفان ، ثم سلك بهما على أسفل أمج ، ثم استجاز بهما ، حتى عارض بهما الطريق ، بعد أن أجاز قديدا ، ثم أجاز بهما من مكانه ذلك ، فسلك بهما الخرار ، ثم سلك بهما ثنية المرة ، ثم سلك بهما لقفا ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويقال ‏‏:‏‏ لفتا ‏‏.‏‏ قال معقل بن خويلد الهذلي ‏‏:‏‏     نزيعا محلبا من أهل لفت * لحي بين أثلة والنحام

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم أجاز بهم مدلجة لِقْف ثم استبطن بهما مدلجة محاج - ويقال ‏‏:‏‏ مجاج ، فيما قال ابن هشام - ثم سلك بهما مرجح محاج ، ثم تبطن بهما مرجح من ذي العضوين - قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويقال ‏‏:‏‏ العَضَوين - ثم بطن ذي كشر ، ثم أخذ بهما على الجداجد ، ثم على ‏الأجرد ، ثم سلك بهما ذا سلم ، من بطن أعداء مدلجة تعهن ، ثم على العبابيد ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويقال ‏‏:‏‏ العبابيب ؛ ويقال ‏‏:‏‏ العثيانة ‏‏.‏‏ يريد ‏‏:‏‏ العبابيب ‏‏.‏‏    قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم أجاز الفاجَّة ؛ ويقال ‏‏:‏‏ القاحة ، فيما قال ابن هشام ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ثم هبط بهما العرج ، وقد أبطأ عليهما بعض ظهرهم ، فحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أسلم ، يقال له ‏‏:‏‏ أوس بن حجر ، على جمل له - يقال له ‏‏:‏‏ ابن الرداء - إلى المدينة ، وبعث معه غلاما له ، يقال له ‏‏:‏‏ مسعود بن هنيدة ، ثم خرج بهما دليلهما من العرج ، فسلك بهما ثنية العائر ، عن يمين ركوبة - ويقال ‏‏:‏‏ ثنية الغائر ، فيما قال ابن هشام - حتى هبط بهما بطن رئم ، ثم قدم بهما قباء ، على بني عمرو بن عوف ، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول يوم الاثنين ، حين اشتد الضَّحاء ، وكادت الشمس تعتدل ‏‏.‏‏

 قدومه صلى الله عليه وسلم قباء

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير ، عن عبدالرحمن بن عويمر بن ساعدة ، قال ‏‏:‏‏ حدثني رجال من قومي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالوا ‏‏:‏‏ لما سمعنا بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ، وتوكفنا قدومه ، كنا ‏نخرج إذا صلينا الصبح ، إلى ظاهر حرتنا ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوالله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال فإذا لم نجد ظلا دخلنا ، وذلك في أيام حارة ‏‏.‏‏ حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، جلسنا كما كنا نجلس ، حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا ، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخلنا البيوت ، فكان أول من رآه رجل من اليهود ، و قد رأى ما كنا نصنع ، وأنَّا ننتظر قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا ، فصرخ بأعلى صوته ‏‏:‏‏ يا بني قيلة ، هذا جدكم قد جاء ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فخرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو في ظل نخلة ، ومعه أبو بكر رضي الله عنه في مثل سنه ، وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك ، وركبه الناس وما يعرفونه من أبي بكر ، حتى زال الظل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقام أبو بكر فأظله بردائه ، فعرفناه عند ذلك ‏‏.‏‏

 منزله عليه الصلاة و السلام بقباء

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما يذكرون - على كلثوم بن هدم ، أخي بني عمرو بن عوف ، ثم أحد بني عبيد ‏‏:‏‏ ويقال ‏‏:‏‏ بل نزل على سعد بن خيثمة ‏‏.‏‏ ويقول من يذكر أنه نزل على كلثوم بن هدم ‏‏:‏‏ إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من منزل كلثوم بن هدم جلس الناس في بيت سعد بن خيثمة ‏‏.‏‏ وذلك أنه كان عزبا لا أهل له ، وكان منزل ‏ الأعزاب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين ، فمن هنالك يقال ‏‏:‏‏ نزل على سعد بن خيثمة ، وكان يقال لبيت سعد بن خيثمة ‏‏:‏‏ بيت الأعزاب ‏‏.‏‏ فالله أعلم أي ذلك كان ، كلا قد سمعنا ‏‏.‏‏

 منزل أبي بكر بقباء  ونزل أبو بكر الصديق رضي الله عنه على خبيب بن إساف ، أحد بني الحارث بن الخزرج بالسنح ‏‏.‏‏ ويقول قائل ‏‏:‏‏ كان منزله على خارجة بن زيد بن أبي زهير ، أخي بني الحارث بن الخزرج ‏‏.‏‏

 منزل علي بن أبي طالب بقباء  وأقام علي بن أبي طالب عليه السلام بمكة ثلاث ليال وأيامها ، حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس ، حتى إذا فرغ منها ، لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزل معه على كلثوم بن هدم ‏‏.‏‏

 من فضائل سهل بن حنيف  فكان علي بن أبي طالب ، وإنما كانت إقامته بقباء ليلة أو ليلتين يقول ‏‏:‏‏ كانت بقباء امرأة لا زوج لها ، مسلمة ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فرأيت إنسانا يأتيها من جوف الليل ، فيضرب عليها بابها ، فتخرج إليه فيعطيها شيئا معه فتأخذه ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فاستربت بشأنه ، فقلت لها ‏‏:‏‏ يا أمة الله ، من هذا الرجل الذي يضرب عليك بابك كل ليلة ، فتخرجين إليه فيعطيك شيئا لا أدري ما هو ، وأنت امرأة ‏مسلمة لا زوج لك ‏‏؟‏‏ قالت ‏‏:‏‏ هذا سهل بن حنيف بن واهب ، قد عرف أني امرأة لا أحد لي ، فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسرها ، ثم جاءني بها ، فقال ‏‏:‏‏ احتطبي بهذا ، فكان علي رضي الله عنه يأثر ذلك من أمر سهل بن حنيف ، حتى هلك عنده بالعراق ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني هذا ، من حديث علي رضي الله عنه ، هند بن سعد بن سهل بن حنيف ، رضي الله عنه ‏‏.‏‏

 بناء مسجد قباء  قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء ، في بني عمرو بن عوف ، يوم الإثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس ، وأسس مسجده ‏‏.‏‏

 خروج الرسول صلى الله و سلم من قباء وذهابه إلى المدينة  ثم أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة ‏‏.‏‏ وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك ، فالله أعلم أي ذلك كان ‏‏.‏‏ فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة في بني سالم بن عوف ، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي ، وادي رانُوناء ، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة ‏‏.‏‏

 اعتراض القبائل له صلىالله عليه وسلم تبغي نزوله عندها

فأتاه عتبان بن مالك ، وعباس بن عبادة بن نضلة في رجال من بني سالم ابن عوف ، فقالوا ‏‏:‏‏ يا ‏رسول الله ‏‏.‏‏ أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة ؛ قالوا ‏‏:‏‏ خلوا سبيلها ، فإنها مأمورة ، لناقته ‏‏:‏‏ فخلوا سبيلها ، فانطلقت حتى إذا وازنت دار بني بياضة ، تلقاه زياد بن لبيد ، وفروة بن عمرو ، في رجال من بني بياضة ، فقالوا ‏‏:‏‏ يا رسول الله ‏‏:‏‏ هلم إلينا ، إلى العدد والعدة والمنعة ؛ قال ‏‏:‏‏ خلوا سبيلها فإنها مأمورة ، فخلوا سبيلها ‏‏.‏‏ فانطلقت ، حتى إذا مرت بدار بني ساعدة ، اعترضه سعد بن عبادة ، والمنذر بن عمرو ، في رجال من بني ساعدة ، فقالوا ‏‏:‏‏ يا رسول الله ، هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة ؛ قال ‏‏:‏‏ خلوا سبيلها ، فإنها مأمورة ، فخلوا سبيلها ، فانطلقت ، حتى إذا وازنت دار بني الحارث بن الخزرج ، اعترضه سعد بن الربيع ، وخارجة بن زيد ، وعبدالله بن رواحة ، في رجال من بني الحارث بن الخزرج ، فقالوا ‏‏:‏‏ يا رسول الله ، هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة قال ‏‏:‏‏ خلوا سبيلها ، فإنها مأمورة ، فخلوا سبيلها ‏‏.‏‏ فانطلقت ، حتى إذا مرت بدار بني عدي بن النجار ، وهم أخواله دنيا - أم عبدالمطلب ، سلمى بنت عمرو ، إحدى نسائهم - اعترضه سليط بن قيس ، وأبو سليط ، أُسيرة بن أبي خارجة ، في رجال من بني عدي بن النجار ، فقالوا ‏‏:‏‏ يا رسول الله ، هلم إلى أخوالك ، إلى العدد والعدة والمنعة ؛ قال ‏‏:‏‏ خلوا سبيلها فإنها مأمورة ، فخلوا سبيلها ، فانطلقت ‏‏.‏‏

 مبرك الناقة بدار بني مالك بن النجار

حتى إذا أتت دار بني مالك بن النجار ، بركت على باب مسجده صلى الله عليه وسلم ، وهو يومئذ مِرْبد لغلامين يتيمين من بني النجار ، ثم من بني مالك بن النجار ، وهما في حجر معاذ بن عفراء ، سهل وسهيل ابني عمرو ‏‏.‏‏ فلما بركت ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عليها لم ينزل ، وثبت فسارت غير بعيد ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع لها زمامها لا يثنيها به ، ثم التفتت إلى خلفها ، فرجعت إلى مبركها أول مرة ،‏ فبركت فيه ، ثم تحلحلت وزمَّت وألقت بجرانها ، فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رحله ، فوضعه في بيته ، ونزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسأل عن المربد لمن هو ‏‏؟‏‏ فقال له معاذ بن عفراء ‏‏:‏‏ هو يا رسول الله لسهل وسهيل ابني عمرو ، وهما يتيمان لي ، وسأرضيهما منه ، فاتخذه مسجدا ‏‏.‏‏

بناء مسجد المدينة و مساكنه صلى الله عليه و سلم  قال ‏‏:‏‏ فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُبنى مسجدا ، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه ، فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرغب المسلمين في العمل فيه ، فعمل فيه المهاجرون والأنصار ، ودأبوا فيه ، فقال قائل من المسلمين ‏‏:‏‏ ‏لئن قعدنا والنبي يعمل * لذاك منا العمل المضلِّل

وارتجز المسلمون وهو يبنونه يقولون ‏‏:‏‏   لا عيش إلا عيش الآخره * اللهم ارحم الأنصار والمهاجره

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ لا عيش إلا عيش الآخرة ، اللهم ارحم المهاجرين والأنصار ‏‏.‏‏

 عمار والفئة الباغية   قال ‏‏:‏‏ فدخل عمار بن ياسر ، وقد أثقلوه باللبن ، فقال ‏‏:‏‏ يا رسول الله ، قتلوني ، يحملون علي ما لا يحملون ‏‏.‏‏ قالت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفض وفرته بيده ، وكان رجلا جعدا ، وهو يقول ‏‏:‏‏ ويح ابن سمية ، ليسوا بالذين يقتلونك ، إنما تقتلك الفئة الباغية ‏‏.‏‏

 ارتجاز علي بن أبي طالب في بناء المسجد  وارتجز علي بن أبي طالب رضي الله عنه يومئذ ‏‏:‏‏  لا يستوي من يعمر المساجدا * يدأب فيه قائما وقاعدا     و من يُرى عن الغبار حائدا

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ سألت غير واحد من أهل العلم بالشعر ، عن هذا الرجز ، فقالوا ‏‏:‏‏ بلغنا أن علي بن أبي طالب ارتجز به ، فلا يُدرى ‏‏:‏‏ أهو قائله أم غيره ‏‏.‏‏

 ما كان بين عمار و أحد الصحابة من مشادة   قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فأخذها عمار بن ياسر ، فجعل يرتجز بها ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ فلما أكثر ، ظن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إنما يعرض به ، فيما حدثنا زياد بن عبدالله البكائي ، عن ابن إسحاق ، وقد سمَّى ابن إسحاق الرجل ‏‏.‏‏

 وصاة الرسول صلى الله عليه وسلم بعمار

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فقال ‏‏:‏‏ قد سمعت ما تقول منذ اليوم يا ابن سمية ، والله إني لأراني سأعرض هذه العصا لأنفك ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ وفي يده عصا ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال ‏‏:‏‏ ما لهم ولعمار ، يدعوهم إلى الجنة ، ويدعونه إلى النار ، إن عمارا جلدة ما بين عيني وأنفي ، فإذا بلغ ذلك من الرجل فلم يُستبق فاجتنبوه ‏‏.‏‏

 من بنى أول مسجد  قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وذكر سفيان بن عيينة عن زكريا ، عن الشعبي ، قال ‏‏:‏‏ إن أول من بنى مسجدا عمار بن ياسر ‏‏.‏‏

 الرسول ينزل في بيت أبي أيوب  قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أبي أيوب ، حتى بُني له مسجده ومساكنه ، ثم انتقل إلى مساكنه من بيت أبي أيوب ، رحمة الله عليه ورضوانه ‏‏.‏‏

 من أدب أبي أيوب  قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن مرثد بن عبدالله اليزني ، عن أبي رهم السماعي ، قال ‏‏:‏‏ حدثني أبو أيوب ، قال ‏‏:‏‏ لما نزل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي ، نزل في السفل ، وأنا وأم أيوب في العلو ، فقلت له ‏‏:‏‏ يا نبي الله ، بأبي أنت وأمي ، إني لأكره وأعظم أن أكون فوقك ، وتكون تحتي ، فاظهرْ أنت فكن في العلو ، وننزل نحن فنكون في السفل ؛ فقال ‏‏:‏‏ يا أبا أيوب ، إنّ أرفق بنا وبمن يغشانا ، أن نكون في سفل البيت ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفله ، وكنا فوقه في المسكن ؛ فلقد انكسر حُبّ لنا فيه ماء ، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ، ما لنا لحاف غيرها ، ننشف بها الماء ، تخوفا أن يقطر على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شيء فيؤذيه ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ وكنا نصنع له العشاء ، ثم نبعث به إليه ، فإذا رد علينا فضله تيممت أنا وأم أيوب موضع يده ، فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة ، حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه وقد جعلنا له بصلا أو ثوما ، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم أر ليده فيه أثرا ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فجئته فزعا ، فقلت ‏‏:‏‏ يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، رددت عشاءك ، و لم أر فيه موضع يدك ، وكنت إذا رددته علينا ، تيممت أنا وأم أيوب موضع يدك ، نبتغي بذلك البركة ؛ قال ‏‏:‏‏ إني وجدت فيه ريح هذه الشجرة ، وأنا رجل أُناجَى ، فأما أنتم فكلوه ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فأكلناه ، ولم نصنع له تلك الشجرة بعد ‏‏.‏‏

تلاحق المهاجرين إلى الرسول صلى الله عليه و سلم بالمدينة   قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وتلاحق المهاجرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يبق بمكة منهم أحد ، إلا مفتون أو محبوس ، ولم يوعب أهل هجرة من مكة بأهليهم وأموالهم إلى الله تبارك وتعالى وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أهل دور مُسمَّون ‏‏:‏‏ بنو مظعون من بني جمح ؛ وبنو جحش بن رئاب ، حلفاء بني أمية ؛ وبنو البكير ، من بني سعد بن ليث ، حلفاء بني عدي بن كعب ، فإن دورهم غلقت بمكة هجرة ، ليس فيها ساكن ‏‏.‏‏

 أبو سفيان يعتدي على دار بني جحش ، و القصة في ذلك   ولما خرج بنو جحش بن رئاب من دارهم ، عدا عليها أبو سفيان بن حرب ، فباعها من عمرو بن علقمة ، أخي بني عامر بن لؤي ؛ فلما بلغ بني جحش ما صنع أبو سفيان بدارهم ، ذكر ذلك عبدالله بن جحش لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ ألا ترضى يا عبدالله أن يعطيك الله بها دارا خيرا منها في الجنة ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ بلى ؛ قال ‏‏:‏‏ فذلك لك ‏‏.‏‏

فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، كلمه أبو أحمد في دارهم ، فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقال الناس لأبي أحمد ‏‏:‏‏ يا أبا أحمد ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره أن ترجعوا في شيء من أموالكم أُصيب منكم في الله عز وجل ، فأمسك عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال لأبي سفيان ‏‏:‏‏

أبلغ أبا سفيان عن * أمر عواقبه ندامه

دار ابن عمك بعتها * تقضي بها عنك الغرامه

وحليفكم بالله رب * الناس مجتهد القسامه

اذهب بها ، اذهب بها * طُوّقتها طوق الحمامه

 انتشار الإسلام و من بقي على شركه من أهل المدينة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة إذ قدمها شهر ربيع الأول ، إلى صفر من السنة الداخلة ، حتى بُني له فيها مسجده ومساكنه ، واستجمع له إسلام هذا الحي من الأنصار ، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا أسلم أهلها ، إلا ما كان من خطمة ، وواقف ، ووائل ، وأمية ، وتلك أوس الله ، وهم حي من الأوس ، فإنهم أقاموا على شركهم ‏‏.‏‏ ‏

 أول خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم   وكانت أول خطبة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما بلغني عن أبي سلمة بن عبدالرحمن - نعوذ بالله أن نقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل - أنه قام فيهم ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال ‏‏:‏‏

أما بعد ، أيها الناس ، فقدموا لأنفسكم ‏‏.‏‏ تَعْلَّمُنَّ والله لَيُصعقن أحدكم ، ثم ليدعن غنمه ليس لها راع ، ثم ليقولن له ربه ، وليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه ‏‏:‏‏ ألم يأتك رسولي فبلغك ، وآتيتك مالا وأفضلت عليك ‏‏؟‏‏ فما قدمت لنفسك ‏‏؟‏‏ فلينظرن يمينا وشمالا فلا يرى شيئا ، ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم ‏‏.‏‏ فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق من تمرة فليفعل ، ومن لم يجد فبكلمة طيبة ، فإن بها تجُزى الحسنة عشر أمثالها ، إلى سبع مئة ضعف ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ‏‏.‏‏

 خطبته الثانية صلى الله عليه وسلم  قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس مرة أخرى ، فقال ‏‏:‏‏

إن الحمد لله ، أحمده وأستعينه ، نعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ‏‏.‏‏ إن أحسن الحديث كتاب الله تبارك وتعالى ، قد أفلح من زينه الله في قلبه ، وأدخله في الإسلام بعد الكفر ، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس ، إنه أحسن الحديث وأبلغه ، أحبوا ما أحب الله ، أحبوا الله من كل قلوبكم ، ولا تملوا كلام الله وذكره ، ولا تقس عنه قلوبكم ، فإنه من كل ما يخلق الله يختار ويصطفي ، وقد سماه الله خيرته من الأعمال ، ومصطفاه من العباد ، والصالح من الحديث ؛ ومن كل ما أوتي الناس الحلال والحرام ، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، واتقوه حق تقاته ، واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم ، وتحابوا بروح الله بينكم ، إن الله يغضب أن يُنكث عهده ، والسلام عليكم ‏‏.‏‏  

الرسول صلى الله عليه و سلم يوادع اليهود وكتابه بين المسلمين من المهاجرين و الأنصار   قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والأنصار ، وادع فيه يهود وعاهدهم ، وأقرهم على دينهم وأموالهم ، وشرط لهم ، واشترط عليهم ‏‏:‏‏

بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم ، بين ‏المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ، ومن تبعهم ، فلحق بهم ، وجاهد معهم ، إنهم أمة واحدة من دون الناس ، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم ، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين ؛ وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين ؛ وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين ؛ وبنو الحارث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين ؛ وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين ؛ وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين ؛ وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين ؛ وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين ؛ وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين ؛ وإن المؤمنين لا يتركون مُفْرَحا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ المُفْرح ‏‏:‏‏ المثقل بالدين والكثير العيال ‏‏.‏‏ قال الشاعر ‏‏:‏‏

إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة * وتحمل أخرى أفرحتك الودائع

وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه ؛ وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم ، أو ابتغى دسيعة ظُلم ، أو إثم ، أو عدوان ، أو فساد بين المؤمنين ؛ وإن أيديهم عليه جميعا ، ولو كان ولد أحدهم ؛ ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر ، ولا ينصر كافرا على مؤمن ؛ وإن ذمة الله واحدة ، يجير عليهم أدناهم ؛ وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس ؛ وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة ، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم ؛ وإن سلم المؤمنين واحدة ، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله ، إلا على سواء وعدل بينهم ؛ وإن كل غازية غزت معنا يُعقب بعضها بعضا ؛ وإن المؤمنين يُبيء بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله ؛ وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه ؛ وإنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا ، ولا يحول دونه على مؤمن ؛ وإنه من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول ، وإن المؤمنين عليه كافة ، ولا يحل لهم إلا قيام عليه ؛ وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة ، وآمن بالله واليوم الآخر ، أن ينصر مُحْدثا ولا يُؤويه ؛ وأنه من نصره أو آواه ، فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ، ولا يؤخذ منه صرف ‏ولا عدل ؛ وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء ، فإن مرده إلى الله عز وجل ، وإلى محمد صلى الله عليه وسلم ؛ وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين ؛ وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين ، لليهود دينهم ، وللمسلمين دينهم ، مواليهم وأنفسهم ، إلا من ظلم وأثم ، فإنه لا يُوتِغُ إلا نفسه ، وأهل بيته ، وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف ؛ وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف ؛ وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف ؛ وإن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف ؛ وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف ؛ وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف ؛ إلا من ظلم وأثم ، فإنه لا يُوتغ إلا نفسه وأهل بيته ؛ وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم ؛ وإن لبني الشُّطَيبة مثل ما ليهود بني عوف ، وإن البر دون الإثم ؛ وإن موالي ثعلبة كأنفسهم ؛ وإن بطانة يهود كأنفسهم ؛ وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم ؛ وإنه لا ينحجز على نار جرح ؛ وإنه من فتك فبنفسه فتك ، وأهل بيته ، إلا من ظلم ؛ وإن الله على أبر هذا ؛ وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم ؛ وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة ؛ وإن بينهم النصح والنصيحة ، والبر دون الإثم ؛ وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه ؛ وإن النصر للمظلوم ؛ وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين ؛ وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة ؛ وإن الجار كالنفس غير مُضار ولا آثم ؛ وإنه لا تجُار حُرمة إلا بإذن أهلها ؛ وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخُاف فساده ، فإن مرده إلى الله عز وجل ، ‏وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره ؛ وإنه لا تجُار قريش ولا من نصرها ؛ وإن بينهم النصر على من دهم يثرب ، وإذا دُعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه ، فإنهم يصالحونه ويلبسونه ؛ وإنهم إذا دُعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين ، إلا من حارب في الدين ، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قِبَلَهم ؛ وإن يهود الأوس ، مواليهم وأنفسهم ، على مثل ما لأهل هذه الصحيفة ‏‏.‏‏ مع البر المحض ‏‏؟‏‏ من أهل هذه الصحيفة ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويقال ‏‏:‏‏ مع البر المحسن من أهل هذه الصحيفة ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وإن البر دون الإثم ، لا يكسب كاسب إلا على نفسه ؛ وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره ؛ وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم ، وإنه من خرج آمنٌ ، ومن قعد آمن بالمدينة ، إلا من ظلم أو أثم ؛ وإن الله جار لمن بر واتقى ، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏.‏‏

 

 المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

 من آخى بينهم صلى الله عليه و سلم

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من المهاجرين والأنصار ، فقال - فيما بلغنا ، ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل - ‏‏:‏‏ تآخَوْا في الله أخوين أخوين ؛ ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب ، فقال ‏‏:‏‏ هذا أخي ‏‏.‏‏ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين ، وإمام المتقين ، ورسول رب العالمين ، الذي ليس له خطير ولا نظير من العباد ، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ، أخوين ؛ وكان حمزة بن عبدالمطلب ، أسد الله وأسد رسوله صلى الله عليه وسلم ، وعم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وزيد بن حارثة ، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أخوين ، وإليه أوصى حمزة يوم أحد حين حضره القتال إن حدث به حادث الموت ؛ وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين ، الطيار في الجنة ، ومعاذ بن جبل ، أخو بني سلمة ، أخوين ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وكان جعفر بن أبي طالب يومئذ غائبا بأرض الحبشة ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، ابن أبي قحافة ، وخارجة بن زهير ، أخو بلحارث بن الخزرج ، أخوين ؛ وعمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وعتبان بن مالك ، أخو بني سالم بن عوف ابن عمرو بن عوف بن الخزرج ، أخوين ؛ وأبو عبيدة بن عبدالله بن الجراح ، واسمه عامر بن عبدالله ، وسعد بن معاذ بن النعمان ، أخو بني عبدالأشهل ، أخوين ‏‏.‏‏ وعبدالرحمن بن عوف ، وسعد بن الربيع ، أخو بلحارث بن الخزرج ، أخوين ‏‏.‏‏ والزبير بن العوام ، وسلامة بن سلامة ابن وقش ، أخو بني عبدالأشهل ، أخوين ‏‏.‏‏ ويقال ‏‏:‏‏ بل الزبير وعبدالله بن مسعود ، حليف بني زهرة ، أخوين ‏‏.‏‏ وعثمان بن عفان ، وأوس بن ثابت بن المنذر ، أخو بني النجار ، أخوين ‏‏.‏‏ وطلحة بن عبيد الله ، وكعب بن مالك ، أخو بني سلمة ، أخوين ‏‏.‏‏ وسعد بن زيد بن عمرو ابن نفيل ، وأُبي بن كعب ، أخو بني النجار ‏‏:‏‏ أخوين ‏‏.‏‏ ومصعب بن عمير بن هاشم ، وأبو أيوب خالد بن زيد ، أخو بني النجار ‏‏:‏‏ أخوين ؛ وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ، وعباد بن بشر بن وقش ، أخو بني عبدالأشهل ‏‏:‏‏ أخوين ‏‏.‏‏ وعمار بن ياسر ، حليف بني مخزوم ، وحذيفة بن اليمان ، أخو بني عبد عبس ، حليف بني عبدالأشهل ‏‏:‏‏ أخوين ‏‏.‏‏ ويقال ‏‏:‏‏ ثابت بن قيس بن الشماس ، أخو بلحارث بن الخزرج ، خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعمار بن ياسر ‏‏:‏‏ أخوين ‏‏.‏‏ وأبو ذر ، وهو بُرير بن جنادة الغفاري ، والمنذر بن عمرو ، المُعْنِق ليموت ، أخو بني ساعدة بن كعب بن الخزرج ‏‏:‏‏ أخوين ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وسمعت غير واحد من العلماء يقول ‏‏:‏‏ أبو ذر ، جُنْدَب ابن جنادة ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وكان حاطب بن أبي بلتعة ، حليف بني أسد بن عبدالعزى ، وعويم بن ساعدة ، أخو بني عمرو بن عوف ، أخوين ؛ وسلمان الفارسي ، وأبو الدرداء ، عويمر بن ثعلبة ، أخو بلحارث بن الخزرج ، أخوين ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ عويمر بن عامر ؛ ويقال ‏‏:‏‏ عويمر بن زيد ‏‏.‏‏    قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وبلال ، مولى أبي بكر رضي الله عنهما ، مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو رُوَيحة ، عبدالله بن عبدالرحمن الخثعمي ، ثم أحد الفزع ، أخوين ‏‏.‏‏ فهؤلاء من سُمِّي لنا ، ممن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بينهم من أصحابه ‏‏.‏‏

 بلال يوصي بديوانه لأبي رُويحة   فلما دوّن عمر بن الخطاب الدواوين بالشام ، وكان بلال قد خرج إلى الشام ، فأقام بها مجاهدا ، فقال عمر لبلال ‏‏:‏‏ إلى من تجعل ديوانك يا بلال ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ مع أبي رويحة ، لا أفارقه أبدا ، للأخوة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد بينه وبيني ، فضم إليه ، وضُم ديوان الحبشة إلى خثعم ، لمكان بلال منهم ، فهو في خثعم إلى هذا اليوم بالشام ‏‏.‏‏

 أبو أمامة   قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وهلك في تلك الأشهر أبو أمامة ، أسعد بن زرارة ، والمسجد يُبنى ، أخذته الذبحة أو الشهقة ‏‏.‏‏

 موته و ما قاله اليهود في ذلك   قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن يحيى بن عبدالله بن عبدالرحمن بن أسعد بن زرارة ‏‏:‏‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال ‏‏:‏‏ بئس الميت أبو أمامة ، ليهود ومنافقي العرب يقولون ‏‏:‏‏ لو كان نبيا لم يمت صاحبه ، ولا أملك لنفسي ولا لصاحبي من الله شيئا ‏‏.‏‏

 نقابته عليه الصلاة و السلام لبني النجار  قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري ‏‏:‏‏ أنه لما مات أبو أمامة ، أسعد بن زرارة ، اجتمعت بنو النجار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أبو أمامة نقيبهم ، فقالوا له ‏‏:‏‏ يا رسول الله ، إن هذا قد كان منا حيث قد علمت ، فاجعل منا رجلا مكانه يُقيم من أمرنا ما كان يقيم ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ‏‏:‏‏ أنتم أخوالي ، وأنا بما فيكم ، وأنا نقيبكم ؛ وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخص بها بعضهم دون بعض ‏‏.‏‏ فكان من فضل بني النجار الذي يَعُدّون على قومهم ، أن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نقيبهم ‏‏.‏‏

 خبر الأذان

 التفكير في اتخاذ بوق أو ناقوس علامة لحلول وقت الصلاة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، واجتمع إليه إخوانه من المهاجرين ، واجتمع أمر الأنصار ، استحكم أمر الإسلام ، فقامت الصلاة ، وفُرضت الزكاة والصيام ، وقامت الحدود ، وفرض الحلال والحرام ، وتبوأ الإسلام بين أظهرهم ، وكان هذا الحي من الأنصار هم الذين تبوءوا الدار والإيمان ‏‏.‏‏ وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدمها إنما يجتمع الناس إليه للصلاة مواقيتها ، بغير دعوة ، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدمها أن يجعل بوقا كبوق يهود الذين يدعون به لصلاتهم ، ثم كرهه ؛ ثم أمر بالناقوس ، فنحت ليضرب به للمسلمين للصلاة ‏‏.‏‏

 رؤيا عبدالله بن زيد في الأذان

فبينما هم على ذلك ، إذ رأى عبدالله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه ، أخو بلحارث بن الخزرج ، النداء ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له ‏‏:‏‏ يا رسول الله ، إنه طاف بي هذه الليلة طائف ‏‏:‏‏ مر بي رجل عليه ثوبان أخضران ، يحمل ناقوسا في يده ، فقلت له ‏‏:‏‏ يا عبدالله ، أتبيع هذا الناقوس ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ وما تصنع به ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ قلت ‏‏:‏‏ ندعو به إلى الصلاة ، قال ‏‏:‏‏ أفلا أدلك على خير من ذلك ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ قلت ‏‏:‏‏ وما هو ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ تقول ‏‏:‏‏ الله أكبر الله أكبر ، الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، حي على الفلاح ، الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله ‏‏.‏‏

 أمره بلالا بالأذان فلما أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال ‏‏:‏‏ إنها لرؤيا حق ، إن شاء الله ، فقم مع بلال فألقها عليه ، فليؤذن بها ، فإنه أندى صوتا منك ‏‏.‏‏

فلما أذن بها بلال سمعها عمر بن الخطاب ، وهو في بيته ، فخرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يجر رداءه ، وهو يقول ‏‏:‏‏ يا نبي الله ، والذي بعثك بالحق ، لقد رأيت مثل الذي رأى ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ فلله الحمد على ذلك ‏‏.‏‏

 رؤيا عمر في الأذان ، و سبق الوحي إليه قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ حدثني بهذا الحديث محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن محمد بن عبدالله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه ، عن أبيه ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وذكر ابن جريج ، قال لي عطاء ‏‏:‏‏ سمعت عبيد بن عمير الليثي يقول ‏‏:‏‏ ائتمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالناقوس للاجتماع للصلاة ، فبينما عمر بن الخطاب يريد أن يشتري خشبتين للناقوس ، إذ رأى عمر بن الخطاب في المنام ‏‏:‏‏ لا تجعلوا الناقوس ، بل أذنوا للصلاة ‏‏.‏‏ فذهب عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليخبره بالذي رأى ، وقد جاء النبيَّ صلى الله عليه وسلم الوحي بذلك ، فما راع عمر إلا بلال يؤذن ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبره بذلك ‏‏:‏‏ قد سبقك بذلك الوحي ‏‏.‏‏

 ما كان يدعو به بلال قبل أذان الفجر

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير ، عن امرأة من بني النجار ، قالت ‏‏:‏‏ كان بيتي من أطول بيت حول المسجد ، فكان بلال يؤذن عليه الفجر كل غداة ، فيأتي بسحر ، فيجلس على البيت ينتظر الفجر ، فإذا رآه تمطى ، ثم قال ‏‏:‏‏ اللهم إني أحمدك وأستعينك على قريش أن يُقيموا على دينك ‏‏.‏‏ قالت ‏‏:‏‏ والله ما علمته كان يتركها ليلة واحدة ‏‏.‏‏

 أمر أبي قيس بن أبي أنس

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فلما اطمأنت برسول الله صلى الله عليه وسلم داره ، وأظهر الله بها دينه ، وسره بما جمع إليه من المهاجرين والأنصار من أهل ولايته ، قال أبو قيس صرمة بن أبي أنس ، أخو بني عدي بن النجار ‏‏.‏‏

 نسبه  قال ابن هشام ‏‏:‏‏ أبو قيس ، صرمة بن أبي أنس بن صرمة بن مالك ابن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار ‏‏.‏‏

 إسلامه و شيء من شعره  قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وكان رجلا قد ترهب في الجاهلية ، ولبس المسوح ، وفارق الأوثان ، واغتسل من الجنابة وتطهر من الحائض من النساء ، وهمّ بالنصرانية ، ثم أمسك عنها ، ودخل بيتا له ، فاتخذه مسجدا لا تدخله عليه فيه طامث و لا جنب ، وقال ‏‏:‏‏ أعبد رب إبراهيم ، حين فارق الأوثان وكرهها ، حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فأسلم وحسن إسلامه ، وهو شيخ كبير ، وكان قوالا بالحق ، معظما لله عز وجل في جاهليته ، يقول أشعارا في ذلك حسانا - وهو الذي يقول ‏‏:‏‏

يقول أبو قيس وأصبح غاديا ‏‏:‏‏ * ألا ما استطعتم من وصاتي فافعلوا

فأوصيكم بالله والبر والتقى * وأعراضكم ، والبر بالله أول

وإنْ قومكم سادوا فلا تحسدنهم * وإن كنتم أهل الرياسة فاعدلوا

وإن نزلت إحدى الدواهي بقومكم * فأنفسكم دون العشيرة فاجعلوا

وإن ناب غرم فادح فارفقوهم * وما حمَّلوكم في الملمات فاحملوا

وإن أنتم أمعرتمُ فتعففوا * وإن كان فضل الخير فيكم فأفضلوا

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويُروى ‏‏:‏‏

وإن ناب أمر فادح فارفدوهمُ *

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقال أبو قيس صرمة أيضا ‏‏:‏‏

سبِّحوا الله شرق كل صباح * طلعت شمسه وكل هلالِ

عالم السر والبيان لدينا * ليس ما قال ربنا بضلال

وله الطير تستريد وتأوي * في وكور من آمنات الجبال

وله الوحش بالفلاة تراها * في حقاف وفي ظلال الرمال

وله هوّدت يهود ودانت * كل دين إذا ذكرتَ عُضال

وله شمّس النصارى وقاموا * كل عيد لربهم واحتفال

وله الراهب الحبيس تراه * رهن بُؤس وكان ناعم بال

يا بَنيَّ الأرحامَ لا تقطعوها * وصِلُوها قصيرة من طوال

واتقوا الله في ضعاف اليتامى * ربما يُستحل غيرُ الحلال

واعلموا أن لليتيم وليا * عالما يهتدي بغير السؤال

ثم مالَ اليتيم لا تأكلوه * إن مال اليتيم يرعاه والي

يا بَنيّ ، التخوم لا تخزلوها * إن خزل التخوم ذو عُقَّال

يا بني الأيام لا تأمنوها * واحذروا مكرها ومر الليالي

واعلموا أن مَرّها لنفاد الْ * خلق ما كان من جديد وبالي

واجمعوا أمركم على البر والتَّقْ * وى وترك الخنا وأخذ الحلال

وقال أبو قيس صرمة أيضا ، يذكر ما أكرمهم الله تبارك وتعالى به من الإسلام ، وما خصهم الله به من نزول رسوله صلى الله عليه وسلم عليهم ‏‏:‏‏

ثوى في قريش بضع عشرة حجة * يذكِّر لو يلقى صديقا مُواتيا

ويعرض في أهل المواسم نفسه * فلم ير من يُؤوي ولم ير داعيا

فلما أتانا أظهر الله دينه * فأصبح مسرورا بطيبة راضيا

وألفى صديقا واطمأنت به النوى * وكان له عونا من الله باديا

يقص لنا ما قال نوح لقومه * وما قال موسى إذ أجاب المناديا

فأصبح لا يخشى من الناس واحدا * قريبا ولا يخشى من الناس نائيا

بذلنا له الأموال من حلّ مالنا * وأنفسنا عند الوغى والتآسيا

ونعلم أن الله لا شيء غيره * ونعلم أن الله أفضل هاديا

نعادي الذي عادى من الناس كلهم * جميعا وإن كان الحبيب المصافيا

أقول إذا أدعوك في كل بيعة ‏‏:‏‏ * تباركت قد أكثرتُ لاسمك داعيا

أقول إذا جاوزت أرضا مخوفة ‏‏:‏‏ * حنانيك لا تُظهر علي الأعاديا

فطأْ معرضا إن الحتوف كثيرة * وإنك لا تُبقي لنفسك باقيا

فوالله ما يدري الفتى كيف يتقي * إذا هو لم يجعل له الله واقيا

ولا تحفِلُ النخل المُعيمة ربها * إذا أصبحت ريّا وأصبح ثاويا

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ البيت الذي أوله ‏‏:‏‏

فطأ معرضا إن الحتوف كثيرة

والبيت الذي يليه ‏‏:‏‏

فوالله ما يدري الفتى كيف يتقي

لأفنون التغلبي ، وهو صُريم بن معشر ، في أبيات له ‏‏.‏‏

عداوة اليهود

 قبائلهم واسماؤهم

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ونصبت عند ذلك أحبار يهود لرسول الله صلى الله عليه وسلم العداوة ، بغيا وحسدا وضغنا ، لما خص الله تعالى به العرب من أخذه رسوله منهم ، وانضاف إليهم رجال من الأوس والخزرج ، ممن كان عسى على جاهليته ، فكانوا أهل نفاق على دين آبائهم من الشرك والتكذيب بالبعث ، إلا أن الإسلام قهرهم بظهوره واجتماع قومهم عليه ، فظهروا بالإسلام ، واتخذوه جُنَّة من القتل ، ونافقوا في السر ، وكان هواهم مع يهود ، لتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وجحودهم الإسلام ‏‏.‏‏

وكانت أحبار يهود هم الذين يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتعنَّتونه ، ويأتونه باللَّبس ، ليلبسوا الحق بالباطل ، فكان القرآن ينزل فيهم فيما يسألون عنه ، إلا قليلا من المسائل في الحلال والحرام كان المسلمون يسألون عنها ‏‏.‏‏

 الأعداء من بني النضير  منهم ‏‏:‏‏ حيي بن أخطب ، وأخواه أبو ياسر بن أخطب ، وجُدَيّ بن أخطب ، وسلاَّم بن مشكم ، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، وسلاَّم بن أبي الحقيق ، وأبو رافع الأعور ، - وهو الذي قتله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر - والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق ، وعمرو بن جحَّاش ، وكعب بن الأشرف ، وهو من طيئ ، ثم أحد بني نبهان ، وأمه من بني النضير ، والحجاج بن عمرو ، حليف كعب بن الأشرف ، وكردم بن قيس ، حليف كعب بن الأشرف ، فهؤلاء من بني النضير ‏‏.‏‏ ‏

 من بني ثعلبة  ومن بني ثعلبة بن الفِطْيَوْن ‏‏:‏‏ عبدالله بن صُوريا الأعور ، ولم يكن بالحجاز في زمانه أحد أعلم بالتوراة منه ؛ وابن صلوبا ، ومخيريق ، وكان حبرهم ، أسلم ‏‏.‏‏

 من بني قينقاع   ومن بني قينقاع ‏‏:‏‏ زيد بن اللَّصيت - ويقال ‏‏:‏‏ ابن اللُّصيت - فيما قال ابن هشام - وسعد بن حنيف ، ومحمود بن سيحان ، وعُزيز بن أبي عزيز ، وعبدالله بن صيف ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويقال ‏‏:‏‏ ابن ضيف ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وسويد بن الحارث ، ورفاعة بن قيس ، وفِنحاص ، وأشيع ، ونعمان بن أضا ، وبحري بن عمرو ، وشأس بن عدي ، وشأس بن قيس ، وزيد بن الحارث ، ونعمان بن عمرو ، وسُكين بن أبي سكين ، وعدي بن زيد ، ونعمان بن أبي أوفى ، أبو أنس ، ومحمود بن دحية ، ومالك بن صيف ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويقال ‏‏:‏‏ ابن ضيف ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وكعب بن راشد ، وعازر ، ورافع بن أبي رافع ، وخالد وأزار بن أبي أزار ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويقال ‏‏:‏‏ آزر بن آزر ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ورافع بن حارثة ، ورافع بن حريملة ، ورافع ‏بن خارجة ، ومالك بن عوف ، ورفاعة بن زيد بن التابوت ، وعبدالله بن سلام بن الحارث ، وكان حَبرْهم وأعلمهم ، وكان اسمه الحصين ، فلما أسلم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله ‏‏.‏‏ فهؤلاء من بني قينقاع ‏‏.‏‏

 من بني قريظة    ومن بني قريظة ‏‏:‏‏ الزبير بن باطا بن وهب ، وعزّال بن شمويل ، وكعب بن أسد ، وهو صاحب عَقد بني قريظة الذي نُقض عام الأحزاب ، وشمويل بن زيد ، وجبل بن عمرو بن سكينة ، والنحام بن زيد ، وقردم بن كعب ، ووهب بن زيد ، ونافع بن أبي نافع ، وأبو نافع ، و عدي بن زيد ، والحارث بن عوف ، وكَرْدم بن زيد ، وأسامة بن حبيب ، ورافع بن رميلة ، وجبل بن أبي قشير ، ووهب بن يهوذا ، فهؤلاء من بني قريظة ‏‏.‏‏

 من بني زريق    ومن يهود بني زريق ‏‏:‏‏ لبيد بن أعصم ، وهو الذي أخَّذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه ‏‏.‏‏

 من بني حارثة   ومن يهود بني حارثة ‏‏:‏‏ كنانة بن صُوريا ‏‏.‏‏

 من بني عمرو  ومن يهود بني عمرو بن عوف ‏‏:‏‏ قردم بن عمرو ‏‏.‏‏

 من بني النجار  ومن يهود بني النجار ‏‏:‏‏ سلسلة بن برهام ‏‏.‏‏

فهؤلاء أحبار اليهود ، أهل الشرور والعداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وأصحاب المسألة ، والنصب لأمر الإسلام الشرور ليطفئوه ، إلا ما كان من عبدالله بن سلام ، ومخيريق ‏‏.‏‏

 إسلام عبدالله بن سلام

 كيف أسلم   قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وكان من حديث عبدالله بن سلام ، كما حدثني بعض أهله عنه وعن إسلامه حين أسلم ، وكان حبرا عالما ، قال ‏‏:‏‏ لما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت صفته واسمه وزمانه الذي كنا نتوكف له ، فكنت مسرا لذلك ، صامتا عليه ، حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فلما نزل بقباء ، في بني عمرو بن عوف ، أقبل رجل حتى أخبر بقدومه ، وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها ، وعمتي خالدة بنت الحارث تحتي جالسة ، فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم كبرت ؛ فقالت لي عمتي ، حين سمعت تكبيري ‏‏:‏‏ خيبك الله ، والله لو كنت سمعت بموسى بن عمران قادما ما زدت ، قال ‏‏:‏‏ فقلت لها ‏‏:‏‏ أي عمة ، هو والله أخو موسى بن عمران ، وعلى دينه ، بعث بما بعث به ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فقالت ‏‏:‏‏ أي ابن أخي ، أهو النبي الذي كنا نخبر أنه يبعث مع نفس الساعة ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ فقلت لها ‏‏:‏‏ نعم ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فقالت ‏‏:‏‏ فذاك إذا ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ ثم خرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأسلمت ، ثم رجعت إلى أهل بيتي ، فأمرتهم فأسلموا ‏‏.‏‏

 تكذيب قومه له  قال ‏‏:‏‏ وكتمت إسلامي من يهود ، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت له ‏‏:‏‏ يا رسول الله ، إن يهود قوم بهت ، وإني أحب أن تدخلني في بعض بيوتك ، وتغيبني عنهم ، ثم تسألهم عني ، حتى يخبروك كيف أنا فيهم ، قبل أن يعلموا بإسلامي ، فإنهم إن علموا به بهتوني وعابوني ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فأدخلني رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض بيوته ، ودخلوا عليه ، فكلموه وساءلوه ، ثم قال لهم ‏‏:‏‏ أي رجل الحصين بن سلام فيكم ‏‏؟‏‏ قالوا ‏‏:‏‏ سيدنا وابن سيدنا ، وحبرنا وعالمنا ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فلما فرغوا من قولهم خرجت عليهم ، فقلت لهم ‏‏:‏‏ يا معشر يهود ، اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به ، فوالله إنكم لتعلمون إنه لرسول الله ، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة باسمه وصفته ، فإني أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأومن به وأصدقه وأعرفه ، فقالوا ‏‏:‏‏ كذبت ثم وقعوا بي ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ ألم أخبرك يا رسول الله أنهم قوم بهت ، أهل غدر وكذب وفجور ‏‏!‏‏ قال ‏‏:‏‏ فأظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي ، وأسلمت عمتي خالدة بنت الحارث ، فحسن إسلامها ‏‏.‏‏

 من حديث مخيريق

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وكان من حديث مخيريق ، وكان حبرا عالما ، وكان رجلا غنيا كثير الأموال من النخل ، وكان يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفته ، وما يجد في علمه ، وغلب عليه إلف دينه ، فلم يزل على ذلك ، حتى إذا كان يوم أحد ، وكان يوم أحد يوم السبت ، قال ‏‏:‏‏ يا معشر يهود ، والله إنكم لتعلمون أن نصر محمد عليكم لحق ‏‏.‏‏ قالوا ‏‏:‏‏ إن اليوم يوم السبت ؛ قال ‏‏:‏‏ لا سبت لكم ‏‏.‏‏

ثم أخذ سلاحه فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد ، وعهد إليه من وراءه من قومه ‏‏:‏‏ إن قتلت هذا اليوم ، فأموالي لمحمد صلى الله عليه وسلم يصنع فيها ما أراه الله ‏‏.‏‏ فلما اقتتل الناس قاتل حتى قتل ‏‏.‏‏

فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - يقول ‏‏:‏‏ مخيريق خير يهود ‏‏.‏‏ وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أمواله ، فعامة صدقات رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة منها ‏‏.‏‏

 حديث صفية بنت حيي

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال ‏‏:‏‏ حدثت عن صفية بنت حيي بن أخطب أنها قالت ‏‏:‏‏ كنت أحب ولد أبي إليه ، وإلى عمي أبي ياسر ، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه ‏‏.‏‏ قالت ‏‏:‏‏ فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، ونزل قباء ، في بني عمرو بن عوف ، غدا عليه أبي ، حيي بن أخطب ، وعمي أبو ياسر بن أخطب ، مغلسين ‏‏.‏‏ قالت ‏‏:‏‏ فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس ‏‏.‏‏

قالت ‏‏:‏‏ فأتيا كالَّين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى ‏‏.‏‏ قالت ‏‏:‏‏ فهششت إليهما كما كنت أصنع ، فوالله ما التفت إلي واحد منهما ، مع ما بهما من الغم ‏‏.‏‏ قالت ‏‏:‏‏ وسمعت عمي أبا ياسر ، وهو يقول لأبي حيي بن أخطب ‏‏:‏‏ أهو هو ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ نعم والله ؛ قال ‏‏:‏‏ أتعرفه وتثبته ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ نعم ؛ قال ‏‏:‏‏ فما في نفسك منه ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ عداوته والله ما بقيت ‏‏.‏‏

 من اجتمع إلى يهود من منافقي الأنصار بالمدينة

 من بني عمرو قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وكان ممن انضاف إلى يهود ، ممن سمي لنا من المنافقين من الأوس والخزرج ، والله أعلم ‏‏.‏‏ من الأوس ، ثم من بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس ، ثم من بني لوذان بن عمرو بن عوف ‏‏:‏‏ زُوَيّ بن الحارث ‏‏.‏‏

 من بني حبيب ومن بني حُبيب بن عمرو بن عوف ‏‏:‏‏ جُلاس بن سويد بن الصامت ، وأخوه الحارث بن سويد ‏‏.‏‏

 شيء عن جلاس وجلاس الذي قال - وكان ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك - لئن كان هذا الرجل صادقا لنحن شر من الحمر ‏‏.‏‏ فرفع ذلك من قوله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عمير بن سعد ، أحدهم ، وكان في حجر جلاس ، خَلَف جلاس على أمه بعد أبيه ، فقال له عمير بن سعد ‏‏:‏‏ والله يا جلاس ، إنك لأحب الناس إلي ، وأحسنهم عندي يدا ، وأعزهم علي أن يصيبه شيء يكرهه ، ولقد قلت مقالة لئن رفعتُها عليك لأفضحنك ، ولئن صمتُّ عليها ليهلكن ديني ، ولإحداهما أيسر علي من الأخرى ‏‏.‏‏ ثم مشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر له ما قال جلاس ، فحلف جلاس بالله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ لقد كذب علي عمير ، وما قلت ما قال عمير بن سعد ‏‏.‏‏

فأنزل الله عز وجل فيه ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ يحلفون بالله ما قالوا ، ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم ، وهموا بما لم ينالوا ، وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ، فإن يتوبوا يك خيرا لهم ، وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة ، وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏الأليم ‏‏:‏‏ الموجع ‏‏.‏‏ قال ذو الرمة يصف إبلا ‏‏:‏‏

وترفع من صدور شمردلات * يصك وجوهها وهج أليمُ

وهذا البيت في قصيدة له ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فزعموا أنه تاب فحسنت توبته ، حتى عرف منه الخير والإسلام ‏‏.‏‏

 شيء عن الحارث بن سويد

وأخوه الحارث بن سويد ، الذي قتل المجذر بن زياد البلوي ، وقيس بن زيد ، أحد بني ضبيعة ، يوم أحد ‏‏.‏‏ خرج مع المسلمين ، وكان منافقا ، فلما التقى الناس عدا عليهما ، فقتلهما ثم لحق بقريش ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏وكان المجذر بن زياد قتل سويد بن صامت في بعض الحروب التي كانت بين الأوس والخزرج ، فلما كان يوم أحد طلب الحارث بن سويد غرة المجذر بن زياد ، ليقتله بأبيه ، فقتله وحده ، وسمعت غير واحد من أهل العلم يقول ‏‏:‏‏ والدليل على أنه لم يقتل قيس بن زيد ، أن ابن إسحاق لم يذكره في قتلى أحد ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ قتل سويد بن صامت معاذ بن عفراء غيلة ، في غير حرب ، رماه بسهم فقتله قبل يوم بعاث ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما يذكرون - قد أمر عمر بن الخطاب بقتله إن هو ظفر به ، ففاته ، فكان بمكة ، ثم بعث إلى أخيه جلاس يطلب التوبة ، ليرجع إلى قومه ‏‏.‏‏ فأنزل الله تبارك وتعالى فيه - فيما بلغني عن ابن عباس - ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات ، والله لا يهدي القوم الظالمين ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ إلى آخر القصة ‏‏.‏‏

 من بني ضبيعة

ومن بني ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف ‏‏:‏‏ بجَاد ابن عثمان بن عامر ‏‏.‏‏

 من بني لوذان

ومن بني لوذان بن عمرو بن عوف ‏‏:‏‏ نبتل بن الحارث ، وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - ‏‏:‏‏ من أحب أن ينظر إلى الشيطان ، فلينظر إلى نبتل بن الحارث ، وكان رجلا جسيما أذلم ، ثائر شعر الرأس ، أحمر العينين ، أسفع الخدين ، وكان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدث إليه فيسمع منه ، ثم ينقل حديثه إلى المنافقين ؛ وهو الذي قال ‏‏:‏‏ إنما محمد أُذُن ، من حدثه شيئا صدقه ‏‏.‏‏ فأنزل الله عز وجل فيه ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن ، قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم ، والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني بعض رجال بلعجلان أنه حدث ‏‏:‏‏ أن جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ‏‏:‏‏ إنه يجلس إليك رجل أذلم ، ثائر شعر الرأس ، أسفع الخدين أحمر العينين ، كأنهما قدران من صفر ، كبده أغلظ من كبد الحمار ، ينقل حديثك إلى المنافقين ، فاحذره ‏‏.‏‏ وكانت تلك صفة نبتل بن الحارث ، فيما يذكرون ‏‏.‏‏

 من بني ضبيعة

ومن بني ضبيعة ‏‏:‏‏ أبو حبيبة بن الأزعر ، وكان ممن بنى مسجد الضرار ، وثعلبة بن حاطب ، ومعتب بن قشير ، وهما اللذان عاهدا الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين ، إلخ القصة ‏‏.‏‏ ومعتب الذي قال يوم أحد ‏‏:‏‏ لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ، فأنزل الله تعالى في ذلك من قوله ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ إلى آخر القصة ، وهو الذي قال يوم الأحزاب ‏‏:‏‏ كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا لا يأمن ‏أن يذهب إلى الغائط ‏‏.‏‏

فأنزل الله تعالى عز وجل فيه ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ والحارث بن حاطب ‏‏.‏‏

معتب و ابنا حاطب بدريون و ليسوا منافقين

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ معتب بن قشير ، وثعلبة والحارث ابنا حاطب ، وهم من بني أمية بن زيد من أهل بدر وليسوا من المنافقين فيما ذكر لي من أثق به من أهل العلم ، وقد نسب ابن إسحاق ثعلبة والحارث في بني أمية بن زيد في أسماء أهل بدر ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وعباد بن حنيف ، أخو سهل بن حنيف ؛ وبحزج ، وهم ممن كان بنى مسجد الضرار ، وعمرو بن خذام ، وعبدالله بن نبتل ‏‏.‏‏

 من بني ثعلبة ومن بني ثعلبة بن عمرو بن عوف ‏‏:‏‏ جارية بن عامر بن العطاف ، وابناه ‏‏:‏‏ زيد ومجمِّع ، ابنا جارية ، وهم ممن اتخذ مسجد الضرار ‏‏.‏‏ وكان مجمع غلاما حدثا قد جمع من القرآن أكثره ، وكان يصلي بهم فيه ، ثم إنه لما أخرب المسجد ، وذهب رجال من بني عمرو بن عوف ، كانوا يصلون ببني عمرو بن عوف في مسجدهم ، وكان زمان عمر بن الخطاب ، كُلِّم في مجمع ليصلي بهم ؛ فقال ‏‏:‏‏ لا ، أو ليس بإمام المنافقين في مسجد الضرار ‏‏؟‏‏ فقال لعمر ‏‏:‏‏ يا أمير المؤمنين ، والله الذي لا إله إلا هو ، ما علمت بشيء من أمرهم ، ولكني كنت غلاما قارئا للقرآن ، وكانوا لا قرآن معهم ، فقدموني أصلي بهم ، وما أرى أمرهم ، إلا على أحسن ما ذكروا ‏‏.‏‏ فزعموا أن عمر تركه فصلى بقومه ‏‏.‏‏

 من بني أمية ومن بني أمية بن زيد بن مالك ‏‏:‏‏ وديعة بن ثابت ، وهوممن بنى مسجد الضرار ، وهو الذي قال ‏‏:‏‏ إنما كنا نخوض ونلعب ‏‏.‏‏ فأنزل الله تبارك وتعالى ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏‏‏.‏‏‏‏.‏‏ إلى آخر القصة ‏‏.‏‏‏

 من بني عبيد ومن بني عبيد بن زيد بن مالك ‏‏:‏‏ خذام بن خالد ، وهو الذي أخرج مسجد الضرار من داره ؛ وبشر ورافع ، ابنا زيد ‏‏.‏‏

 من بني النبيت ومن بني النبيت - قال ابن هشام ‏‏:‏‏ النبيت ‏‏:‏‏ عمرو بن مالك بن الأوس - قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم من بني حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو ابن مالك بن الأوس ‏‏:‏‏ مربع بن قيظي ، وهو الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أجاز في حائطه ورسول الله صلى الله عليه وسلم عامد إلى أحد ‏‏:‏‏ لا أحل لك يا محمد ، إن كنت نبيا ، أن تمر في حائطي ، وأخذ في يده حفنة من تراب ، ثم قال ‏‏:‏‏ والله لو أعلم أني لا أصيب بهذا التراب غيرك لرميتك به ، فابتدره القوم ليقتلوه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ دعوه ، فهذا الأعمى ، أعمى القلب ، أعمى البصيرة ‏‏.‏‏

فضربه سعد بن زيد ، أخو بني عبدالأشهل بالقوس فشجه ؛ وأخوه أوس بن قيظي ، وهو الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق ‏‏:‏‏ يا رسول الله ، إن بيوتنا عورة ، فأذن لنا فلنرجع إليها ‏‏.‏‏ فأنزل الله تعالى فيه ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ عورة ، أي مُعْورة للعدو وضائعة ؛ وجمعها ‏‏:‏‏ عورات ‏‏.‏‏ قال النابغة الذبياني ‏‏:‏‏

متى تلقهم لا تلق للبيت عورة * ولا الجار محروما ولا الأمر ضائعا

وهذا البيت في أبيات له ‏‏.‏‏ والعورة أيضا ‏‏:‏‏ عورة الرجل ، وهي حرمته ‏‏.‏‏ والعورة أيضا ‏‏:‏‏ السوءة ‏‏.‏‏

 من بني ظفر قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ومن بني ظفر ، واسم ظفر ‏‏:‏‏ كعب بن الحارث ‏بن الخزرج ‏‏:‏‏ حاطب بن أمية بن رافع ، وكان شيخا جسيما قد عسا في جاهليته ، وكان له ابن من خيار المسلمين ‏‏.‏‏ يقال له ‏‏:‏‏ يزيد بن حاطب أُصيب يوم أحد حتى أثبتته الجراحات ، فحمل إلى دار بني ظفر ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه اجتمع إليه من بها من رجال المسلمين ونسائهم وهو بالموت ، فجعلوا يقولون ‏‏:‏‏ أبشر يا ابن حاطب بالجنة ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فنجم نفاقه حينئذ ، فجعل يقول أبوه ‏‏:‏‏ أجل جنة الله من حرمل ، غررتم والله هذا المسكين من نفسه ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وبُشير بن أبيرق ، وهو أبو طعمة ، سارق الدرعين ، الذي أنزل الله تعالى فيه ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ، إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما ‏‏)‏‏ ؛ وقزمان ‏‏:‏‏ حليف لهم ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ‏‏:‏‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول ‏‏:‏‏ إنه لمن أهل النار ‏‏.‏‏ فلما كان يوم أحد قاتل قتالا شديدا حتى قتل بضعة نفر من المشركين ‏‏.‏‏ فأثبتته الجراحات ، فحمل إلى دار بني ظفر ، فقال له رجال من المسلمين ‏‏:‏‏ أبشر يا قزمان ، فقد أبليت اليوم ، وقد أصابك ما ترى في الله ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ بماذا أُبشر ، فوالله ما قاتلت إلا حمية عن قومي ؛ فلما اشتدت به جراحاته وآذته أخذ سهما من كنانته ، فقطع به رواهش يده ، فقتل نفسه ‏‏.‏‏

 من بني عبدالأشهل قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ولم يكن في بني عبدالأشهل منافق ولا منافقة يعلم ، إلا أن الضحاك بن ثابت ، أحد بني كعب ، رهط سعد بن زيد ، وقد كان يُتَّهم بالنفاق وحب يهود ‏‏.‏‏

قال حسان بن ثابت ‏‏:‏‏

من مبلغ الضحاك أن عروقه * أعيت على الإسلام أن تتمجدا

أتحب يُهْدَان الحجاز ودينهم * كبد الحمار ، ولا تحب محمدا

دينا لعمري لا يوافق ديننا * ما استنَّ آل في الفضاء وخودا

وكان جلاس بن سويد بن صامت قبل توبته - فيما بلغني - ومعتب بن قشير ، ورافع بن زيد ، وبشر ، وكانوا يُدعون بالإسلام ، فدعاهم رجال من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعوهم إلى الكهان ، حكام أهل الجاهلية ، فأنزل الله عز وجل فيهم ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏‏‏.‏‏‏‏.‏‏ إلى آخر القصة ‏‏.‏‏

 من الخزرج

ومن الخزرج ، ثم من بني النجار ‏‏:‏‏ رافع بن وديعة ، وزيد بن عمرو ، وعمرو بن قيس ، وقيس بن عمرو بن سهل ‏‏.‏‏

 من بني جشم ومن بني جشم بن الخزرج ، ثم من بني سلمة ‏‏:‏‏ الجد بن قيس ، وهو الذي يقول ‏‏:‏‏ يا محمد ، ائذن لي ، ولا تفتني ‏‏.‏‏ فأنزل الله تعالى فيه ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ومنهم من يقول ائذن لي ، ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا ، وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏‏‏.‏‏‏‏.‏‏ إلى آخر القصة ‏‏.‏‏

 من بني عوف

ومن بني عوف بن الخزرج ‏‏:‏‏ عبدالله بن أبي بن سلول ، وكان رأس المنافقين وإليه يجتمعون ، وهو الذي قال ‏‏:‏‏ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل في غزوة بني المصطلق ‏‏.‏‏ وفي قوله ذلك ، نزلت سورة المنافقين بأسرها ‏‏.‏‏ وفيه وفي وديعة - رجل من بني عوف - ومالك بن أبي قوقل ، وسويد ، وداعس ، وهم من رهط عبدالله بن أبي بن سلول ؛ وعبدالله بن أبي بن سلول ‏‏.‏‏ فهؤلاء النفر من قومه الذين كانوا يدسُّون إلى بني النضير حين حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ أن اثبتوا ، فوالله لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا ، وإن قوتلتم لننصرنكم ‏‏.‏‏ فأنزل الله تعالى فيهم ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أُخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا ، وإن قوتلتم لننصرنكم ، والله يشهد إنهم لكاذبون ‏‏)‏‏ ، ثم القصة من السورة حتى انتهى إلى قوله ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر ، فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

 المنافقون من أحبار اليهود قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وكان ممن تعوذ بالإسلام ، ودخل فيه مع المسلمين وأظهره وهو منافق ، من أحبار يهود ‏‏.‏‏

 من بني قينقاع ومن بني قينقاع ‏‏:‏‏ سعد بن حنيف ، وزيد بن اللُّصيت ، ونعمان بن أوفى ابن عمرو ، وعثمان بن أوفى ، وزيد بن اللصيت ، الذي قاتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بسوق بني قينقاع ، وهو الذي قال ، حين ضلت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته ‏‏!‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجاءه الخبر بما قال عدو الله في رحله ، ودل الله تبارك وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم على ناقته ‏‏:‏‏ إن قائلا قال ‏‏:‏‏ يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء ، ولا يدري أين ناقته ‏‏؟‏‏ وإني والله ما أعلم إلا ما علمني الله ، وقد دلني الله عليها ، فهي في هذا الشعب ، قد حبستها شجرة بزمامها ، فذهب رجال من المسلمين ، فوجدوها حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكما وصف ‏‏.‏‏ ورافع بن حريملة ، وهو الذي قال له الرسول صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا - حين مات ‏‏:‏‏ قد مات اليوم عظيم من عظماء المنافقين ؛ ورفاعة بن زيد بن التابوت ، و هو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هبت عليه الريح ، وهو قافل من غزوة بني المصطلق ، فاشتدت عليه حتى أشفق المسلمون منها ؛ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ لا تخافوا ، فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار ‏‏.‏‏

فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وجد رفاعة بن زيد ابن التابوت مات ذلك اليوم الذي هبت فيه الريح ‏‏.‏‏ وسلسلة بن برهام ‏‏.‏‏ وكنانة بن صُوريا ‏‏.‏‏

 طرد المنافقين من مسجد الرسول صلى الله عليه و سلم وكان هؤلاء المنافقون يحضرون المسجد فيستمعون أحاديث المسلمين ، ويسخرون ويستهزئون بدينهم ، فاجتمع يوما في المسجد منهم ناس ، فرآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدثون بينهم ، خافضي أصواتهم ، قد لصق بعضهم ببعض ، فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُخرجوا من المسجد إخراجا عنيفا ، فقام أبو أيوب ، خالد بن زيد بن كليب ، إلى عمر بن قيس ، أحد بني غنم بن مالك بن النجار - كان صاحب آلهتهم في الجاهلية - فأخذ برجله فسحبه ، حتى أخرجه من المسجد ، وهو يقول ‏‏:‏‏ أتخرجني يا أبا أيوب من مربد بني ثعلبة ، ثم أقبل أبو أيوب أيضا إلى رافع بن وديعة ، أحد بني النجار فلبَّبه بردائه ثم نتره نترا شديدا ، ولطم وجهه ، ثم أخرجه من المسجد ، وأبو أيوب يقول له ‏‏:‏‏ أف لك منافقا خبيثا ‏‏:‏‏ أدراجَك يا منافق من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ أي ارجع من الطريق التي جئت منها ‏‏.‏‏ قال الشاعر ‏‏:‏‏

فولى وأدبر أدراجه * وقد باء بالظلم من كان ثَمّ

وقام عمارة بن حزم إلى زيد بن عمرو ، وكان رجلا طويل اللحية ، فأخذ بلحيته فقاده بها قودا عنيفا حتى أخرجه من المسجد ، ثم جمع عمارة يديه فلدمه بهما في صدره لدمة خر منها ‏‏.‏‏ يقول ‏‏:‏‏ خدشتني يا عمارة ؛ قال ‏‏:‏‏ أبعدك الله يا منافق ، فما أعد الله لك من العذاب أشد من ذلك ، فلا تقربن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ اللدم ‏‏:‏‏ الضرم ببطن الكف ‏‏.‏‏ قال تميم بن أبي بن مقبل ‏‏:‏‏

وللفؤاد وجيب تحت أبهره * لدم الوليد وراء الغيب بالحجرِ

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ الغيب ‏‏:‏‏ ما انخفض من الأرض ‏‏.‏‏ والأبهر ‏‏:‏‏ عرق القلب ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقام أبو محمد ، رجل من بني النجار ، كان بدريا ، وأبو محمد ، مسعود بن أوس بن زيد بن أصرم بن زيد بن ثعلبة بن غنم ابن مالك بن النجار إلى قيس بن عمرو بن سهل ، وكان قيس غلاما شابا ، وكان لا يعلم في المنافقين شاب غيره ، فجعل يدفع في قفاه حتى أخرجه من المسجد ‏‏.‏‏

وقام رجل من بَلْخُدرة بن الخزرج ، رهط أبي سعيد الخدري ، يقال له ‏‏:‏‏ عبدالله بن الحارث ، حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخراج المنافقين من المسجد إلى رجل يقال له ‏‏:‏‏ الحارث بن عمرو ، وكان ذا جمة ، فأخذ بجمته فسحبه بها سحبا عنيفا ، على ما مر به من‏ الأرض ، حتى أخرجه من المسجد ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ يقول المنافق ‏‏:‏‏ لقد أغلظت يا ابن الحارث ؛ فقال ‏‏:‏‏ إنك أهل لذلك ، أي عدو الله لما أنزل الله فيك ، فلا تقربن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنك نجس ‏‏.‏‏

وقام رجل من بني عمرو بن عوف إلى أخيه زُوَيّ بن الحارث ، فأخرجه من المسجد إخراجا عنيفا ، وأفَّف منه ، و قال ‏‏:‏‏ غلب عليك الشيطان و أمره ‏‏.‏‏

فهؤلاء من حضر المسجد يومئذ من المنافقين ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخراجهم ‏‏.‏‏

 ما نزل من البقرة في يهود والمنافقين

 ما نزل في الأحبار

ففي هؤلاء من أحبار يهود ، والمنافقين من الأوس والخزرج ، نزل صدر سورة البقرة إلى المئة منها - فيما بلغني - والله أعلم ‏‏.‏‏

يقول الله سبحانه وبحمده ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ‏‏)‏‏ ، أي لا شك فيه ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ قال ساعدة بن جؤية الهذلي ‏‏:‏‏

فقالوا عهدنا القوم قد حصروا به * فلا ريب أن قد كان ثم لحَيمُ

وهذا البيت في قصيدة له ، والريب أيضا ‏‏:‏‏ الريبة ‏‏.‏‏ قال خالد بن زهير الهذلي ‏‏:‏‏

كأنني أربِبُه بريب*‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ومنهم من يرويه ‏‏:‏‏

كأنني أرَيْتُه بريب *

وهذا البيت في أبيات له ‏‏.‏‏ وهو ابن أخي أبي ذؤيب الهذلي ‏‏.‏‏

‏‏(‏‏ هدى للمتقين ‏‏)‏‏ ، أي الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ، ويرجون رحمته بالتصديق بما جاءهم منه ‏‏.‏‏ ‏‏(‏‏ الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ‏‏)‏‏ أي يقيمون الصلاة بفرضها ، ويؤتون الزكاة احتسابا لها ‏‏.‏‏ ‏‏(‏‏ والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ‏‏)‏‏ ، أي يصدقونك بما جئت به من الله عز وجل ، وما جاء به من قبلك من المرسلين ، لا يفرقون بينهم ، ولا يجحدون ما جاءوهم به من ربهم ‏‏.‏‏ ‏‏(‏‏ وبالآخرة هم يوقنون ‏‏)‏‏ ، أي بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان ، أي هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما كان من قبلك ، وبما جاءك من ربك ‏‏(‏‏ أولئك على هدى من ربهم ‏‏)‏‏ ، أي على نور من ربهم واستقامة على ما جاءهم ‏‏(‏‏ وأولئك هم المفلحون ‏‏)‏‏ ، أي الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا ‏‏.‏‏ ‏‏(‏‏ إن الذين كفروا ‏‏)‏‏ ، أي بما أنزل إليك ، وإن قالوا إنا قد آمنا بما جاءنا قبلك ‏‏(‏‏ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ‏‏)‏‏ أي أنهم كفروا بما عندهم من ذكرك ، وجحدوا ما أُخذ عليهم الميثاق لك ، فقد كفروا بما جاءك وبما عندهم ، مما جاءهم به غيرك ، فكيف يستمعون منك إنذارا أو تحذيرا ، وقد كفروا بما عندهم من علمك ‏‏.‏‏ ‏‏(‏‏ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ‏‏)‏‏ ، أي عن الهدى أن يصيبوه أبدا ، يعني بما كذبوك به من الحق الذي جاءك من ربك حتى يؤمنوا به ، وإن آمنوا بكل ما كان قبلك ، ولهم بما هم عليه من خلافك عذاب عظيم ‏‏.‏‏

فهذا في الأحبار من يهود ، فيما كذّبوا به من الحق بعد معرفته ‏‏.‏‏

 ما نزل في منافقي الأوس و الخزرج

‏‏(‏‏ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ‏‏)‏‏ يعني المنافقين من الأوس والخزرج ، ومن كان على أمرهم ‏‏.‏‏ ‏‏(‏‏ يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ‏‏.‏‏ في قلوبهم مرض ‏‏)‏‏ أي شك ‏‏(‏‏ فزادهم الله مرضا ‏‏)‏‏ ، أي شكا ‏‏(‏‏ ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ‏‏.‏‏ وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض ، قالوا إنما نحن مصلحون ‏‏)‏‏ ، أي إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب ‏‏.‏‏ يقول الله تعالى ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ‏‏.‏‏ وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس ، قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ، ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون ‏‏.‏‏ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ، وإذا خلوا إلى شياطينهم ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ من يهود ، الذين يأمرونهم بالتكذيب بالحق ، وخلاف ما جاء به الرسول ‏‏(‏‏ قالوا إنا معكم ‏‏)‏‏ ، أي إنا على مثل ما أنتم عليه ‏‏.‏‏ ‏‏(‏‏ إنما نحن مستهزؤون ‏‏)‏‏ ‏‏:‏‏ أي إنما نستهزئ بالقوم ، ونلعب بهم ‏‏.‏‏ يقول الله عز وجل ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ الله يستهزئ بهم ويمدهم في طعيانهم يعمهون ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ يعمهون ‏‏:‏‏ يحارون ‏‏.‏‏ تقول العرب ‏‏:‏‏ رجل عمه وعامه ‏‏:‏‏ أي حيران ‏‏.‏‏ قال رؤبة بن العجاج يصف بلدا ‏‏:‏‏

أعمى الهدى بالجاهلين العُمَّه *

وهذا البيت في أرجوزة له ‏‏.‏‏ فالعُمَّه ‏‏:‏‏ جمع عامه ؛ وأما عَمِه ، فجمعه ‏‏:‏‏ عمهون ‏‏.‏‏ والمرأة ‏‏:‏‏ عمهة وعمهاء ‏‏.‏‏

‏‏(‏‏ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ‏‏)‏‏ ‏‏:‏‏ أي الكفر بالإيمان ‏‏(‏‏ فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم ضرب لهم مثلا ، فقال تعالى ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ أي لا يبصرون الحق ويقولون به حتى إذا خرجوا به من ظلمة الكفر أطفئوه بكفرهم به ونفاقهم فيه ، فتركهم الله في ظلمات الكفر فهم لا يبصرون هدى ، ولا يستقيمون على حق ‏‏.‏‏ ‏‏(‏‏ صم بكم عمي فهم لا يرجعون ‏‏)‏‏ ‏‏:‏‏ أي لا يرجعون إلى الهدى ، صم بكم عمي عن الخير ، لا يرجعون إلى خير و لا يصيبون نجاة ما كانوا على ما هم عليه ‏‏(‏‏ أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت ، والله محيط بالكافرين ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ الصيب ‏‏:‏‏ المطر ، وهو من صاب يصوب ، مثل قولهم ‏‏:‏‏ السيد ، من ساد يسود ، والميت ‏‏:‏‏ من مات يموت ؛ وجمعه ‏‏:‏‏ صيائب ‏‏.‏‏ قال علقمة بن عبدة ، أحد بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ‏‏:‏‏

كأنهم صابت عليه سحابة * صواعقها لطيرهن دبيبُ

وفيها ‏‏:‏‏ فلا تعدلي بيني وبين مُغمَّر سقتك روايا المزن حيث تصوب *

وهذان البيتان في قصيدة له ‏‏.‏‏ قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ أي هم من ظلمة ما هم فيه من الكفر والحذر من القتل ، من الذي هم عليه من الخلاف والتخوف لكم ، على مثل ما وصف ، من الذي هو في ظلمة الصيب ، يجعل أصابعه في أذنيه من الصواعق حذر الموت ‏‏.‏‏ يقول ‏‏:‏‏ والله منزل ذلك بهم من النقمة ، أي هو محيط بالكافرين ‏‏(‏‏ يكاد البرق يخطف أبصارهم ‏‏)‏‏ ‏‏:‏‏ أي لشدة ضوء الحق ‏‏(‏‏ كلما أضاء لهم مشوا فيه ، وإذا أظلم عليهم قاموا ‏‏)‏‏ ، أي يعرفون الحق ويتكلمون به ، فهم من قولهم به على استقامة ، فإذا‏ ارتكسوا منه في الكفر قاموا متحيرين ‏‏.‏‏ ‏‏(‏‏ ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم ‏‏)‏‏ ، أي لما تركوا من الحق بعد معرفته ‏‏(‏‏ إن الله على كل شيء قدير ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

ثم قال ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ يا أيها الناس اعبدوا ربكم ‏‏)‏‏ ، للفريقين جميعا ، من الكفار والمنافقين ، أي وحدوا ربكم ‏‏(‏‏ الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ‏‏.‏‏ الذي جعل لكم الأرض فراشا ، والسماء بناء ، وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ، فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ الأنداد ‏‏:‏‏ الأمثال ، واحدهم ‏‏:‏‏ ند ‏‏.‏‏ قال لبيد بن ربيعة ‏‏:‏‏

أحمد الله فلا ندَّ له * بيديه الخير ما شاء فعلْ

وهذا البيت في قصيدة له ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ أي لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر ، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره ، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول من توحيده هو الحق لا شك فيه ‏‏.‏‏ ‏‏(‏‏ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ‏‏)‏‏ أي في شك مما جاءكم به ، ‏‏(‏‏ فأتوا بسورة من مثله ، وادعوا شهداءكم من دون الله ‏‏)‏‏ ، أي من استطعتم من أعوانكم على ما أنتم عليه ‏‏(‏‏ إن كنتم صادقين ، فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ‏‏)‏‏ فقد تبين لكم الحق ‏‏(‏‏ فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ‏‏)‏‏ ، أي لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر ‏‏.‏‏

ثم رغبهم وحذرهم نقض الميثاق الذي أخذ عليهم لنبيه صلى الله عليه وسلم إذا جاءهم ، وذكر لهم بدء خلقهم حين خلقهم ، وشأن أبيهم آدم عليه ‏السلام وأمره ، وكيف صُنع به حين خالف عن طاعته ، ثم قال ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ يا بني إسرائيل ‏‏)‏‏ للأحبار من يهود ‏‏(‏‏ اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ أي بلائي عندكم وعند آبائكم ، لما كان نجاهم به من فرعون وقومه ‏‏(‏‏ وأوفوا بعهدي ‏‏)‏‏ الذي أخذت في أعناقكم لنبِيِّي أحمد إذا جاءكم ‏‏(‏‏ أوف بعهدكم ‏‏)‏‏ أنجز لكم ما وعدتكم على تصديقه واتباعه بوضع ما كان عليكم من الآصار والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من أحداثكم ‏‏(‏‏ وإياي فارهبون ‏‏)‏‏ أي أن أُنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من النقمات التي قد عرفتم ، من المسخ وغيره ‏‏.‏‏ ‏‏(‏‏ وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ، ولا تكونوا أول كافر به ‏‏)‏‏ وعندكم من العلم فيه ما ليس عند غيركم ‏‏(‏‏ وإياي فاتقون ‏‏.‏‏ ولا تلبسوا الحق بالباطل ، وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ‏‏)‏‏ ، أي لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي ومما جاء به ، وأنتم تجدونه عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم ‏‏(‏‏ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ‏‏)‏‏ ، أي أتنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة والعهد من التوراة وتتركون أنفسكم ، أي وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق رسولي ، وتنقضون ميثاقي ، وتجحدون ما تعلمون من كتابي ‏‏.‏‏

ثم عدد عليهم أحداثهم ، فذكر لهم العجل وما صنعوا فيه ، وتوبته عليهم ، وإقالته إياهم ، ثم قولهم ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ أرنا الله جهرة ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ جهرة ، أي ظاهرا لنا لا شيء يستره عنا ‏‏.‏‏ قال أبو الأخزر الحماني ، واسمه قتيبة ‏‏:‏‏

يجهر أجواف المياه السَّدم *

وهذا البيت في أرجوزة له ‏‏.‏‏

يجهر ‏‏:‏‏ يقول ‏‏:‏‏ يُظهر الماء ، ويكشف عنه ما يستره من الرمل وغيره ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وأخذ الصاعقة إياهم عند ذلك لغرتهم ، ثم إحياءه إياهم بعد موتهم ، وتظليله عليهم الغمام ، وإنزاله عليهم المن والسلوى ، وقوله لهم ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة ‏‏)‏‏ ، أي قولوا ما آمركم به أحط به ذنوبكم عنكم ؛ وتبديلهم ذلك من قوله استهزاء بأمره ، وإقالته إياهم ذلك بعد هزئهم ‏‏.‏

 تفسير ابن هشام لبعض الغريب قال ابن هشام ‏‏:‏‏ المن ‏‏:‏‏ شيء كان يسقط في السحر على شجرهم ، فيجتنونه حلوا مثل العسل ، فيشربونه ويأكلونه ‏‏.‏‏ قال أعشى بني قيس ابن ثعلبة ‏‏:‏‏

لو أُطعموا المن والسلوى مكانهمُ * ما أبصر الناس طعما فيهم نجعا

وهذا البيت في قصيدة له ‏‏.‏‏ والسلوى ‏‏:‏‏ طير ؛ واحدتها ‏‏:‏‏ سلواة ؛ ويقال ‏‏:‏‏ إنها السماني ؛ ويقال للعسل أيضا ‏‏:‏‏ السلوى ‏‏.‏‏ وقال خالد بن زهير الهذلي ‏‏:‏‏

وقاسمها بالله حقا لأنتمُ * ألذ من السلوى إذا ما نَشُورها

وهذا البيت في قصيدة له ‏‏.‏‏ وحِطَّة ‏‏:‏‏ أي حُطَّ عنا ذنوبنا ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وكان من تبديلهم ذلك ، كما حدثني صالح بن كيسان عن صالح مولى التَّوْءَمة بنت أمية بن خلف ، عن أبي هريرة ومن لا أتهم ، عن ابن عباس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال ‏‏:‏‏ دخلوا الباب الذي أُمروا أن يدخلوا منه سجدا يزحفون ، وهم يقولون ‏‏:‏‏ حنط في شعير ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويروى ‏‏:‏‏ حنظة في شعيرة ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ واستسقاء موسى لقومه ، وأمره إياه أن يضرب بعصاه الحجر ، فانفجرت لهم منه اثنتا عشرة عينا ، لكل سبط عين يشربون منها ، قد علم كل سبط عينه التي منها يشرب ؛ وقولهم لموسى عليه السلام ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ لن نصبر على طعام واحد ، فادع لنا ربك يخُرجْ لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ الفُوم ‏‏:‏‏ الحنطة ‏‏.‏‏ قال أمية بن أبي الصلت الثقفي ‏‏:‏‏

فوق شيزى مثل الجوابي عليها * قِطَع كالوذيل في نِقْي فُومِ

 تفسير ابن هشام لبعض الغريب قال ابن هشام ‏‏:‏‏ الوذيل ‏‏:‏‏ قطع الفضة ‏‏.‏‏ والفوم ‏‏:‏‏ القمح ؛ واحدته ‏‏:‏‏ فومة ‏‏.‏‏ وهذا البيت في قصيدة له ‏‏.‏‏

‏‏(‏‏ وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ‏‏.‏‏ اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فلم يفعلوا ، ورَفْعه الطور فوقهم ليأخذوا ما أوتوا ؛ والمسخ الذي كان فيهم ، إذ جعلهم قردة بأحداثهم ، والبقرة التي أراهم الله عز وجل بها العبرة في القتيل الذي اختلفوا فيه ، حتى بين الله لهم أمره ، بعد التردد على موسى عليه السلام في صفة البقرة ؛ وقسوة قلوبهم بعد ذلك حتى كانت كالحجارة أو أشد قسوة ‏‏.‏‏ ثم قال تعالى ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ، وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء ، وإن منها لما يهبط من خشية الله ‏‏)‏‏ ، أي وإن من الحجارة لَأَلين من قلوبكم عما تدعون إليه من الحق ‏‏(‏‏ وما الله بغافل عما تعملون ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

ثم قال لمحمد عليه الصلاة والسلام ولمن معه من المؤمنين يُؤْيسهم منهم ‏‏(‏‏ أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ‏‏)‏‏ ، وليس قوله ‏‏(‏‏ يسمعون التوراة ‏‏)‏‏ ، أن كلهم قد سمعها ، ولكنه فريق منهم ، أي خاصة ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ، فيما بلغني عن بعض أهل العلم ‏‏:‏‏ قالوا لموسى ‏‏:‏‏ يا موسى ، قد حيل بيننا وبين رؤية الله ، فأسمعنا كلامه حين يكلمك ، فطلب ذلك موسى عليه السلام من ربه ، فقال له ‏‏:‏‏ نعم ، مرهم فليطهروا ، أو ليطهروا ثيابهم ، وليصوموا ، ففعلوا ‏‏.‏‏

ثم خرج بهم حتى أتى بهم الطور ؛ فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى فوقعوا سجدا ، وكلمه ربه ، فسمعوا كلامه تبارك وتعالى ، يأمرهم وينهاهم ، حتى عقلوا عنه ما سمعوا ، ثم انصرف بهم إلى بني إسرائيل ، فلما جاءهم حرّف فريق منهم ما أمرهم به ، وقالوا ، حين قال موسى لبني إسرائيل ‏‏:‏‏ إن الله قد أمركم بكذا وكذا ، قال ذلك الفريق الذي ذكر الله عز وجل ‏‏:‏‏ إنما قال كذا وكذا ، خلافا لما قال الله لهم ، فهم الذين عنىالله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم ‏‏.‏‏

ثم قال تعالى ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ‏‏)‏‏ ، أي بصاحبكم رسول الله ، ولكنه إليكم خاصة ‏‏.‏‏ ‏‏(‏‏ وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا ‏‏)‏‏ ‏‏:‏‏ لا تحدثوا العرب بهذا ، فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم ، فكان فيهم ‏‏.‏‏ فأنزل الله عز وجل فيهم ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون ‏‏)‏‏ ، أي تُقرون بأنه نبي ، وقد عرفتم أنه قد أُخذ له الميثاق عليكم باتباعه ، وهو يخبركم أنه النبي الذي كنا ننتظر ونجد في كتابنا ؛ اجحدوه ولا تقروا لهم به ‏‏.‏‏ يقول الله عز وجل ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ، ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانيَّ ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

 تفسير ابن هشام لبعض الغريب قال ابن هشام ، عن أبي عبيدة ‏‏:‏‏ إلا أماني ‏‏:‏‏ إلا قراءة ، لأن الأمي ‏‏:‏‏ الذي يقرأ ولا يكتب ‏‏.‏‏ يقول ‏‏:‏‏ لا يعلمون الكتاب إلا أنهم يقرءونه ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ عن أبي عبيدة ويونس أنهما تأولا ذلك عن العرب في قول الله عز وجل ، حدثني أبو عبيدة بذلك ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وحدثني يونس بن حبيب النحوي وأبو عبيدة ‏‏:‏‏ أن العرب تقول ‏‏:‏‏ تمنى ، في معنى قرأ ‏‏.‏‏ وفي كتاب الله تبارك وتعالى ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ وأنشدني أبو عبيدة النحوي ‏‏:‏‏

تمنى كتاب الله أول ليله * وآخره وافى حِمام المقادرِ

وأنشدني أيضا ‏‏:‏‏ منى كتاب الله في الليل خاليا * تمنى داودَ الزبورَ على رِسْلِ

وواحدة الأماني ‏‏:‏‏ أمنية ‏‏.‏‏ والأماني أيضا ‏‏:‏‏ أن يتمنى الرجل المال أو غيره ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ وإن هم إلا يظنون ‏‏)‏‏ ‏‏:‏‏ أي لا يعلمون الكتاب ولا يدرون ما فيه ، وهم يجحدون نبوتك بالظن ‏‏.‏‏ ‏‏(‏‏ وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ، قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

 

دعوى يهود قلة العذاب في الآخرة ، و رد الله عليهم

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني مولى لزيد بن ثابت عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال ‏‏:‏‏ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، واليهود تقول ‏‏:‏‏ إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة ، وإنما يُعذب الله الناس في النار بكل ألف سنة من أيام الدنيا يوما واحدا في النار من أيام الآخرة ، وإنما هي سبعة أيام ثم ينقطع العذاب ‏‏.‏‏

فأنزل الله في ذلك من قولهم ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ وقالو لن تمسنا النار الا أياما معدودة ‏‏.‏‏ قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون ‏‏.‏‏ بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ أي من عمل بمثل أعمالكم ، وكفر بمثل ما كفرتم به ، يحيط كفره بما له عند الله من حسنة ، ‏‏(‏‏ فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ‏‏)‏‏ أي خلد أبدا ‏‏.‏‏ ‏‏(‏‏ والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ‏‏)‏‏ ‏‏:‏‏ أي من آمن بما كفرتم به ، وعمل بما تركتم من دينه ، فلهم الجنة خالدين فيها ، يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبدا ، لا انقطاع له ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم قال الله عز وجل يؤنبهم ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل ‏‏)‏‏ ، أي ميثاقكم ‏‏(‏‏ لا تعبدون إلا الله ، وبالوالدين إحسانا ، وذي القربى واليتامى والمساكين ، وقولوا للناس حسنا ، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ، ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون ‏‏)‏‏ ، أي تركتم ذلك كله ليس بالتنقص ‏‏.‏‏ ‏‏(‏‏ وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ تسفكون ‏‏:‏‏ تصبون ‏‏.‏‏ تقول العرب ‏‏:‏‏ سفك دمه ، أي صبه ؛ وسفك الزق ، أي هراقه ‏‏.‏‏ قال الشاعر ‏‏:‏‏

وكنا إذا ما الضيف حل بأرضنا * سفكنا دماء البُدْن في تربة الحالِ

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ يعني ‏‏(‏‏ بالحال ‏‏)‏‏ ‏‏:‏‏ الطين الذي يخالطه الرمل ، وهو الذي تقول له العرب ‏‏:‏‏ السهلة ‏‏.‏‏ وقد جاء في الحديث ‏‏:‏‏ أن جبريل لما قال فرعون ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ‏‏)‏‏ أخذ من حال البحر وحمأته ، فضرب به وجه فرعون ‏‏.‏‏ والحال ‏‏:‏‏ مثل الحمأة ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ولا تخُرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏على أن هذا حق من ميثاقي عليكم ، ‏‏(‏‏ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ، وتخرجون فريقا منكم من ديارهم ، تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان ‏‏)‏‏ ، أي أهل الشرك ، حتى يسفكوا دماءهم معهم ، ويخرجوهم من ديارهم معهم ‏‏.‏‏ ‏‏(‏‏ وإن يأتوكم أسارى تفادوهم ‏‏)‏‏ وقد عرفتم أن ذلك عليكم في دينكم ‏‏(‏‏ وهو محرم عليكم ‏‏)‏‏ ‏‏:‏‏ في كتابكم ‏‏(‏‏ إخراجهم ، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ‏‏)‏‏ ، أي أتفادونهم مؤمنين بذلك ، وتخرجونهم كفارا بذلك ‏‏.‏‏ ‏‏(‏‏ فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ، ويوم القيامة يُردّون إلى أشد العذاب ، وما الله بغافل عما تعملون ‏‏.‏‏ أولئك الذين اشترَوُا الحياة الدنيا بالآخرة ، فلا يخفف عنهم العذاب ، ولا هم ينصرون ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏فأنبهم الله عز وجل بذلك من فعلهم ، وقد حرّم عليهم في التوراة سفك دمائهم ، وافترض عليهم فيها فداء أسراهم ‏‏.‏‏

فكانوا فريقين ، منهم بنو قينقاع ولَفُّهم ، حلفاء الخزرج ؛ والنضير وقريظة ولَفُّهم ، حلفاء الأوس ‏‏.‏‏ فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب ، خرجت بنو قينقاع مع الخزرج وخرجت النضير وقريظة مع الأوس يُظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه ، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم ، وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم ، والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان ‏‏:‏‏ لا يعرفون جنة ولا نارا ، ولا بعثا ولا قيامة ، ولا كتابا ، ولا حلالا ولا حراما ، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أُساراهم تصديقا لما في التوراة ، وأخذ به بعضهم من بعض ، يفتدي بنو قينقاع من كان من أسراهم في أيدي الأوس ، وتفتدي النضير وقريظة ما في أيدي الخزرج منهم ‏‏.‏‏ ويُطِلُّون ما أصابوا من الدماء ، وقتلى من قُتلوا منهم فيما بينهم ، مظاهرة لأهل الشرك عليهم ‏‏.‏‏ يقول الله تعالى لهم حين أنَّبهم بذلك ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ‏‏)‏‏ ، أي تُفاديه بحكم التوراة وتقتله ، وفي حكم التوراة أن لا تفعل ، تقتله وتخرجه من داره وتظاهر عليه من يشرك بالله ، ويعبد الأوثان من دونه ، ابتغاء عرض الدنيا ‏‏.‏‏ ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج - فيما يلغني - نزلت هذه القصة ‏‏.‏‏

ثم قال تعالى ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل ، وآتينا عيسى بن مريم البينات ‏‏)‏‏ ، أي الآيات التي وضعت على يديه ، من إحياء الموتى ، وخلقه من الطين كهيئة الطير ، ثم ينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ، وإبراء الأسقام ، والخبر بكثير من الغيوب مما يدخرون في بيوتهم ، وما رد عليم من التوراة مع الإنجيل ، الذي أحدث الله إليه ‏‏.‏‏ ثم ذكر كفرهم بذلك كله ، فقال ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ، ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون ‏‏)‏‏ ، ثم قال تعالى ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ وقالوا قلوبنا غلف ‏‏)‏‏ ‏‏:‏‏ في أكنة ‏‏.‏‏ يقول الله عز وجل ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون ‏‏.‏‏ ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه ، قال ‏‏:‏‏ قالوا ‏‏:‏‏ فينا والله وفيهم نزلت هذه القصة ، كنا قد علوناهم ظهرا في الجاهلية ونحن أهل الشرك وهم أهل كتاب ، فكانوا يقولون لنا ‏‏:‏‏ إن نبيا يبعث الآن نتبعه قد أظل زمانه ، نقتلكم معه قتل عاد وإرم ‏‏.‏‏ فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم من قريش فاتبعناه كفروا به ‏‏.‏‏ يقول الله ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ، فلعنة الله على الكافرين ‏‏.‏‏ بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن يُنَزِّل الله من فضله على من يشاء من عباده ‏‏)‏‏ ، أي أن جعله في غيرهم ‏‏(‏‏ فباءوا بغضب على غضب ، وللكافرين عذاب مهين ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ فباءوا بغضب ‏‏:‏‏ أي اعترفوا به واحتملوه ‏‏.‏‏ قال أعشى بني قيس بن ثعلبة ‏‏:‏‏

أُصالحكم حتى تبوءوا بمثلها * كصرخة حُبْلى يسَّرتها قَبيلُها

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ يسرتها ‏‏:‏‏ أجلستها للولادة ‏‏.‏‏ وهذا البيت في قصيدة له ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فالغضب على الغضب لغضبه عليهم فيما كانوا ضيَّعوا من التوراة ، وهي معهم ، وغضب بكفرهم بهذا النبي صلى الله عليه وسلم الذي أحدث الله إليهم ‏‏.‏‏

ثم أنَّبهم برفع الطور عليهم ، واتخاذهم العجل إلها دون ربهم ؛ يقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس ، فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ‏‏)‏‏ ، أي ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب عند الله ، فأبوا ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏.‏‏ يقول الله جل ثناؤه لنبيه عليه الصلاة والسلام ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم ‏‏)‏‏ ، أي بعلمهم بما عندهم من العلم بك ، والكفر بذلك ؛ فيقال ‏‏:‏‏ لو تمنَّوه يوم قال ذلك لهم مابقي على وجه الأرض يهودي إلا مات ‏‏.‏‏ ثم ذكر رغبتهم في الحياة الدنيا وطول العمر ، فقال تعالى ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ‏‏)‏‏ اليهود ‏‏(‏‏ ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يُعَمَّرُ ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر ‏‏)‏‏ ، أي ما هو بمنجيه من العذاب ، وذلك أن المشرك لا يرجو بعثا بعد الموت ، فهو يحب طول الحياة ، وأن اليهودي قد عرف ما له في الآخرة من الخزي بما ضيع مما عنده من العلم ‏‏.‏‏ ثم قال الله تعالى ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله ‏‏)‏‏ ‏‏.‏

 سؤال اليهود الرسول ، وإجابته لهم عليه الصلاة و السلام

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ حدثني عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي حسين المكي ، عن شهر بن حوشب الأشعري ‏‏:‏‏ أن نفرا من أحبار يهود جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا ‏‏:‏‏ يا محمد ، أخبرنا عن أربع نسألك عنهن ، فإن فعلت ذلك اتبعناك وصدقناك ، وآمنا بك ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ عليكم بذلك عهدُ الله وميثاقه لئن أنا أخبرتكم بذلك لتصدقُنَّني ؛ قالوا ‏‏:‏‏ نعم ؛ قال ‏‏:‏‏ فاسئلوا عما بدا لكم ‏‏.‏‏      قالوا ‏‏:‏‏ فأخبرْنا كيف يشبه الولد أمه ، وإنما النطفة من الرجل ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل ، هل تعلمون أن نطفة الرجل بيضاء غليظة ، ونطفة المرأة صفراء رقيقة ، فأيَّتهما علت صاحبتها كان لها الشبه ‏‏؟‏‏ قالوا ‏‏:‏‏ اللهم نعم ‏‏.‏‏

قالوا ‏‏:‏‏ فأخبرنا كيف نومك ‏‏؟‏‏ فقال ‏‏:‏‏ أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل ، هل تعلمون أن نوم الذي تزعمون أني لست به تنام عينه وقلبه يقظان ‏‏؟‏‏ فقالوا ‏‏:‏‏ اللهم نعم ؛ قال ‏‏:‏‏ فكذلك نومي ، تنام عيني وقلبي يقظان ‏‏.‏‏

قالوا ‏‏:‏‏ فأخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل ، هل تعلمون أنه كان أحب الطعام والشراب إليه ألبان الإبل ولحومها ، وأنه اشتكى شكوى ، فعافاه الله منها ، فحرم على نفسه أحب الطعام والشراب إليه شكرا لله ، فحرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها ‏‏؟‏‏ قالوا ‏‏:‏‏ اللهم نعم ‏‏.‏‏

قالوا ‏‏:‏‏ فأخبرنا عن الروح ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل ، هل تعلمونه جبريل ، وهو الذي يأتيني ‏‏؟‏‏ قالوا ‏‏:‏‏ اللهم نعم ، ولكنه يا محمد لنا عدو ، وهو ملك ، إنما يأتي بالشدة وبسفك الدماء ، ولولا ذلك لاتبعناك ؛ قال ‏‏:‏‏ فأنزل الله عز وجل فيهم ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏‏‏.‏‏‏‏.‏‏ إلى قوله تعالى ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم ، بل أكثرهم لا يؤمنون ‏‏.‏‏ ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ‏‏.‏‏ واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ‏‏)‏‏ ، أي السحر ‏‏(‏‏ وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

 اليهود ينكرون نبوة سليمان عليه السلام ، ورد الله عليهم   قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - لما ذكر سليمان بن داود في المرسلين ، قال بعض أحبارهم ‏‏:‏‏ ألا تعجبون من محمد ، يزعم أن سليمان بن داود كان نبيا ، والله ما كان إلا ساحرا ‏‏.‏‏ فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ‏‏)‏‏ ، أي باتباعهم السحر وعملهم به ‏‏.‏‏ ‏‏(‏‏ وما أُنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني بعض من لا أتهم عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أنه كان يقول ‏‏:‏‏ الذي حرم إسرائيل على نفسه زائدتا الكبد والكليتان والشحم ، إلا ما كان على الظهر ، فإن ذلك كان يُقرَّب للقربان ، فتأكله النار ‏‏.‏‏

 كتابه صلى الله عليه وسلم إلى يهود خيبر قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهود خيبر ، فيما حدثني مولى لآل زيد بن ثابت ، عن عكرمة أو عن سعيد ابن جبير ، عن ابن عباس ‏‏:‏‏

بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، صاحب موسى وأخيه ، والمصدق لما جاء به موسى ‏‏:‏‏ ألا إن الله قد قال لكم يا معشر أهل التوراة ، وإنكم لتجدون ذلك في كتابكم ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ، تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا ، سيماهم في وجوههم من أثر السجود ، ذلك مثلهم في التوارة ، ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه ، يعجب الزُرَّاع ليغيظ بهم الكفار ، وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

وإني أنشدكم بالله ، وأنشدكم بما أنزل عليكم ، وأنشدكم بالذي أطعم من كان قبلكم من أسباطكم المن والسلوى ، وأنشدكم بالذي أيبس البحر لآبائكم حتى أنجاهم من فرعون وعمله ، إلا أخبرتموني ‏‏:‏‏ هل تجدون فيما أنزل الله عليكم أن تؤمنوا بمحمد ‏‏؟‏‏ فإن كنتم لا تجدون ذلك في كتابكم فلا كُرْه عليكم ‏‏.‏‏ ‏‏(‏‏ قد تبين الرشد من الغي ‏‏)‏‏ فأدعوكم إلى الله وإلى نبيه ‏‏.‏‏

 تفسير ابن هشام لبعض الغريب قال ابن هشام ‏‏:‏‏ شطؤه ‏‏:‏‏ فراخه ؛ وواحدته ‏‏:‏‏ شطأة ‏‏.‏‏ تقول العرب ‏‏:‏‏ قد أشطأ الزرع ، إذا أخرج فراخه ‏‏.‏‏ وآزره ‏‏:‏‏ عاونه ، فصار الذي قبله مثل الأمهات ‏‏.‏‏ قال امرؤ القيس بن حجر الكندي ‏‏:‏‏

بمحنية قد آزر الضال نبتُها * مجرَّ جيوش غانمين وخُيَّبِ وهذا البيت في قصيدة له ‏‏.‏‏ وقال حميد بن مالك الأرقط ، أحد بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة ‏‏:‏‏

زرعا وقضبا مُؤْزَرَ النباتِ*‏ وهذا البيت في أرجوزة له ، وسوقه ‏‏(‏‏ غير مهموز ‏‏)‏‏ ‏‏:‏‏ جمع ساق ، لساق الشجرة ‏‏.‏‏

ما نزل في أبي ياسر وأخيه    قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وكان ممن نزل فيه القرآن ، بخاصة من الأحبار وكفار يهود ، الذي كانوا يسألونه ويتعنتونه ليلبسوا الحق بالباطل - فيما ذكر لي عن عبدالله بن عباس وجابر بن عبدالله بن رئاب - أن أبا ياسر بن أخطب مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يتلو فاتحة البقرة ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ‏‏)‏‏ ، فأتى أخاه حُيي بن أخطب في رجال من يهود ، فقال ‏‏:‏‏ تعلَّموا والله ، لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل عليه ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ الم ذلك الكتاب ‏‏)‏‏ ؛ فقالوا ‏‏:‏‏ أنت سمعته ‏‏؟‏‏ فقال ‏‏:‏‏ نعم ، فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من يهود إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقالوا له ‏‏:‏‏ يا محمد ، ألم يذكر لنا أنك تتلو فيما أنزل إليك ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ الم ذلك الكتاب ‏‏)‏‏ ‏‏؟‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ بلى ؛ قالوا ‏‏:‏‏ أجاءك بها جبريل من عند الله ‏‏؟‏‏ فقال ‏‏:‏‏ نعم ؛ قالوا ‏‏:‏‏ لقد بعث الله قبلك أنبياء ، ما نعلمه بين لنبي منهم مامدة ملكه ، وما أكل أمته غيرك ؛ فقال حيي بن أخطب ، وأقبل على من معه ، فقال لهم ‏‏:‏‏ الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، فهذه إحدى وسبعون سنة ؛ أفتدخلون في دين إنما مدة ملكه وأكل أمته إحدى وسبعون سنة ‏‏؟‏‏

ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال ‏‏:‏‏ يا محمد ، هل مع هذا غيره ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ نعم ؛ قال ‏‏:‏‏ ماذا ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ المص ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ هذه والله أثقل وأطول ، الألف واحدة واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والصاد تسعون ، فهذه إحدى وستون ومئة سنة ، هل مع هذا يا محمد غيره ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ نعم ‏‏(‏‏الر) ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ هذه والله‏ أثقل وأطول ، الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والراء مئتان ، فهذه إحدى وثلاثون ومئتان ، هل مع هذا غيره يا محمد ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ نعم ‏‏(‏‏ المر ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ هذه والله أثقل وأطول ، الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والراء مئتان ، فهذه إحدى وسبعون ومئتا سنة ، ثم قال ‏‏:‏‏ لقد لُبِّس علينا أمرك يا محمد ، حتى ما ندري أقليلا أُعطيت أم كثيرا ‏‏؟‏‏ ثم قاموا عنه ؛ فقال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب ولمن معه من الأحبار ‏‏:‏‏ ما يدريكم لعله قد جمع هذا كله لمحمد ، إحدى وسبعون ، وإحدى وستون ومئة ، وإحدى وثلاثون ومئتان ، وإحدى وسبعون ومئتان ، فذلك سبع مئة وأربع وثلاثون سنة ؛ فقالوا ‏‏:‏‏ لقد تشابه علينا أمره ‏‏.‏‏ فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ منه آيات محكمات هن أم الكتاب ، وأُخَر متشابهات ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقد سمعت من لا أتهم من أهل العلم يذكر ‏‏:‏‏ أن هؤلاء الآيات إنما أُنزلن في أهل نجران ، حين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن عيسى بن مريم عليه السلام ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقد حدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، أنه قد سمع ‏‏:‏‏ أن هؤلاء الآيات إنما أُنزلن في نفر من يهود ، ولم يفسر ذلك لي ‏‏.‏‏ فالله أعلم أي ذلك كان ‏‏.‏‏

 كفر اليهود بالإسلام وما نزل في ذلك

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وكان فيما بلغني عن عكرمة مولى ابن عباس ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ‏‏:‏‏ أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه ، فلما بعثه الله من العرب كفروا به ، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه ‏‏.‏‏ فقال لهم معاذ بن جبل ، وبشر بن البراء بن معرور ، أخو بني سلمة ‏‏:‏‏ يا معشر يهود ، اتقوا الله وأسلموا ، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك ، وتخبروننا أنه مبعوث ، وتصفونه لنا بصفته ؛ فقال سلام بن مشكم ، أحد بني النضير ‏‏:‏‏ ما جاءنا بشيء نعرفه ، وما هو بالذي كنا نذكره لكم ، فأنزل الله في ذلك من قولهم ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ، فلعنة الله على الكافرين ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

 ما نزل في نكران مالك بن الصيف العهد إليهم بالنبي

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقال مالك بن الصيف ، - حين بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر لهم ما أخذ عليهم له من الميثاق ، وما عهد الله إليهم فيه - ‏‏:‏‏ والله ما عُهد إلينا في محمد عهد ، وما أُخذ له علينا من ميثاق ‏‏.‏‏ فأنزل الله فيه ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم ، بل أكثرهم لا يؤمنون ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

 ما نزل في قول أبي صلوبا ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ما جئتنا بشيء نعرفه ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

وقال أبو صَلُوبا الفطيوني لرسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ يا محمد ، ما جئتنا بشيء نعرفه ، وما أنزل الله عليك من آية فنتبعك لها ‏‏.‏‏ فأنزل الله تعالى في ذلك من قوله ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

 ما نزل في قول ابن حريملة و وهب

وقال رافع بن حريملة ، ووهب بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ يا محمد ، ائتنا بكتاب تُنَزِّله علينا من السماء نقرؤه ، وفجِّر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك ‏‏.‏‏ فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهما ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ، ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

 تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ سواء السبيل ‏‏:‏‏ وسط السبيل ‏‏.‏‏ قال حسان بن ثابت ‏‏:‏

يا ويح أنصار النبي ورهطه * بعد المغيَّب في سواء المُلْحدِ

وهذا البيت في قصيدة له سأذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى ‏‏.‏‏

ما نزل في صد حيي و أخيه الناس عن الإسلام

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وكان حيي بن أخطب وأخوه أبو ياسر بن أخطب ، من أشد يهود للعرب حسدا ، إذ خصهم الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم ، وكانا جاهدين في رد الناس بما استطاعا ‏‏.‏‏

فأنزل الله تعالى فيهما ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ، فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره ، إن الله على كل شيء قدير ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

منقول للفائدةمن موقع ندا الايمان   ولي مزيد من الاطلاع السيرة النبوية عن سيرة الرسول واصحابه