الرجوع الى الرئيسية>>>

 

ذكر ما قيل لآمنة عند حملها برسول الله صلى الله عليه وسلم

رؤيا آمنة

ويزعمون - فيما يتحدث الناس والله أعلم - أن آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تحدث ‏‏‏:‏‏‏

أنها أُتيت ، حين حملت برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقيل لها ‏‏‏:‏‏‏ إنك قد حملت بسيد هذه الأمة ، فإذا وقع إلى الأرض فقولي ‏‏‏:‏‏‏ أعيذه بالواحد ، من شر كل حاسد ، ثم سميه محمدا ‏‏‏.‏‏‏ ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى ، من أرض الشام ‏‏‏.‏‏‏ ‏‏

 وفاة عبدالله

ثم لم يلبث عبدالله بن عبدالمطلب ، أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن هلك ، وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم حامل به ‏‏‏.‏‏‏

 ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم

 ابن إسحاق يحدد الميلاد

قال ‏‏‏:‏‏‏ حدثنا أبو محمد عبدالملك ابن هشام قال ‏‏‏:‏‏‏ حدثنا زياد بن عبدالله البكائي محمد بن إسحاق قال ‏‏‏:‏‏‏ ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول ، عام الفيل ‏‏‏.‏‏‏

 رواية قيس بن مخرمة عن مولده صلى الله عليه و سلم

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ حدثني المطلب بن عبدالله بن قيس بن مخرمة عن أبيه عن جده قيس بن مخرمة ، قال ‏‏‏:‏‏‏

ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل ، فنحن لدتان ‏‏‏.‏‏‏

 رواية حسان بن ثابت ، عن مولده صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ وحدثني صالح بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف ، عن يحيى بن عبدالله بن عبدالرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري ‏‏‏.‏‏‏ قال ‏‏‏:‏‏‏ حدثني من شئت من رجال قومي عن حسان بن ثابت ، قال ‏‏‏:‏‏‏ والله إني لغلام يفعة ، ابن سبع سنين أو ثمان ، أعقل كل ما سمعت ، إذ سمعت يهوديا يصرخ بأعلى صوته على أطمة بيثرب ‏‏‏:‏‏‏ يا معشر يهود ، حتى إذا اجتمعوا إليه ، قالوا له ‏‏‏:‏‏‏ ويلك ما لك ‏‏‏؟‏‏‏ قال ‏‏‏:‏‏‏ طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به ‏‏‏.‏‏‏

قال محمد بن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ فسألت سعيد بن عبدالرحمن بن حسان بن ثابت ، فقلت ‏‏‏:‏‏‏ ابن كم كان حسان بن ثابت مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏المدينة ‏‏‏؟‏‏‏ فقال ‏‏‏:‏‏‏ ابن ستين سنة ، وقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة ، فسمع حسان ما سمع وهو ابن سبع سنين ‏‏‏.‏‏‏

 إعلام أمه جده بولادته صلى الله عليه و سلم وما فعله به

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ فلما وضعته أمه صلى الله عليه وسلم ، أرسلت إلى جده عبدالمطلب ‏‏‏:‏‏‏ أنه قد ولد لك غلام ، فأته فانظر إليه ؛ فأتاه فنظر إليه ، وحدثته بما رأت حين حملت به ، وما قيل لها فيه ، وما أمرت به أن تسميه ‏‏‏.‏‏‏

 فرح جده به صلى الله عليه و سلم ، و التماسه له المراضع

فيزعمون أن عبدالمطلب أخذه ، فدخل به الكعبة ؛ فقام يدعو الله ، ويشكر له ما أعطاه ، ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها ‏‏‏.‏‏‏ والتمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم الرضعاء ‏‏‏.‏‏‏

قال ابن هشام ‏‏‏:‏‏‏ المراضع ‏‏‏.‏‏‏ وفي كتاب الله تبارك وتعالى في قصه موسى عليه السلام ‏‏‏:‏‏‏ ‏‏‏(‏‏‏ وحرمنا عليه المراضع ‏‏‏)‏‏‏ ‏‏‏.‏‏‏

 مرضعته حليمة و نسب أبيها

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ فاسترضع له امرأة من بني سعد بن بكر ، يقال لها ‏‏‏:‏‏‏ حليمة ابنة أبي ذؤيب ‏‏‏.‏‏‏

 نسب مرضعته

وأبو ذؤيب ‏‏‏:‏‏‏ عبدالله بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن فصية بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان ‏‏‏.‏‏‏

زوج حليمة ونسبه

واسم أبيه الذي أرضعه صلى الله عليه وسلم ‏‏‏:‏‏‏ الحارث بن عبدالعزى بن رفاعة بن ملان بن ناصرة بن فصية بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن ‏‏‏.‏

قال ابن هشام ‏‏‏:‏‏‏ ويقال ‏‏‏:‏‏‏ هلال بن ناصرة ‏‏‏.‏‏‏

 أولاد حليمة

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ وإخوته من الرضاعة ‏‏‏:‏‏‏ عبدالله بن الحارث ، وأنيسة بنت الحارث ، وحذافة بنت الحارث ، وهي الشيماء ، غلب ذلك على اسمها فلا تعرف في قومها إلا به ‏‏‏.‏‏‏ وهم لحليمة بنت أبي ذؤيب ، عبدالله بن الحارث ، أم رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏‏.‏‏‏

ويذكرون أن الشيماء كانت تحضنه مع أمها إذا كان عندهم ‏‏‏.‏‏‏

 حديث حليمة عما رأته من الخير بعد تسلمها له صلى الله عليه و سلم

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ وحدثني جهم بن أبي جهم مولى الحارث بن حاطب الجمحي ، عن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب ، أو عمن حدثه عنه قال ‏‏‏:‏‏‏

كانت حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية ، أم رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أرضعته ، تحدث ‏‏‏:‏‏‏ أنها خرجت من بلدها مع زوجها ، وابن لها صغير ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر ، تلتمس الرضعاء ، قالت ‏‏‏:‏‏‏ وذلك في سنة شهباء ، لم تبق لنا شيئا ‏‏‏.‏‏‏ قالت ‏‏‏:‏‏‏ فخرجت على أتان لي قمراء ، معنا شارف لنا ، والله ما تبض بقطرة ، وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا ، من بكائه من الجوع ، ما في ثديي ما يغنيه ، وما في شارفنا ما يغديه - قال ابن هشام ‏‏‏:‏‏‏ ويقال ‏‏‏:‏‏‏ يغذيه - ولكنا كنا نرجو الغيث والفرج فخرجت على أتاني تلك ، فلقد أدمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفا وعجفا ، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء ، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه ، إذا قيل لها إنه يتيم ، وذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبي ، فكنا نقول ‏‏‏:‏‏‏ يتيم ‏‏‏!‏‏‏ وما ‏‏عسى أن تصنع أمه وجده ‏‏‏!‏‏‏ فكنا نكرهه لذلك ، فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعا غيري ، فلما أجمعنا الانطلاق ، قلت لصاحبي ‏‏‏:‏‏‏ والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم أخذ رضيعا ، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلأخذنه ؛ قال ‏‏‏:‏‏‏ لا عليك أن تفعلي ، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة ‏‏‏.‏‏‏ قالت ‏‏‏:‏‏‏ فذهبت إليه فأخذته ، وما حملني علي أخذه إلا أني لم أجد غيره ‏‏‏.‏‏‏

 الخير الذي أصاب حليمة

قالت ‏‏‏:‏‏‏ فلما أخذته ، رجعت به إلى رحلي ، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن ، فشرب حتى روي ، وشرب معه أخوه حتى روي ، ثم ناما ، وما كنا ننام معه قبل ذلك ، وقام زوجي إلى شارفنا تلك ، فإذا إنها لحافل ، فحلب منها ما شرب ، وشربت معه حتى انتهينا ريا وشبعا ، فبتنا بخير ليلة ‏‏‏.‏‏‏

قالت ‏‏‏:‏‏‏ يقول صاحبي حين أصبحنا ‏‏‏:‏‏‏ تعلمي والله يا حليمة ، لقد أخذت نسمة مباركة ؛ قالت ‏‏‏:‏‏‏ فقلت ‏‏‏:‏‏‏ والله إني لأرجو ذلك ، قالت ‏‏‏:‏‏‏ ثم خرجنا وركبت أنا أتاني ، وحملته عليها معي ، فوالله لقطعت بالركب ما يقدر عليها شيء من حمرهم ، حتى إن صواحبي ليقلن لي ‏‏‏:‏‏‏ يا ابنة أبي ذؤيب ، ويحك ‏‏‏!‏‏‏ اربعي علينا ، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها ‏‏‏؟‏‏‏ فأقول لهن ‏‏‏:‏‏‏ بلى والله ، إنها لهي هي ؛ فيقلن ‏‏‏:‏‏‏ والله إن لها لشأنا ‏‏‏.‏‏‏

قالت ‏‏‏:‏‏‏ ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها ، فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا به معنا شباعا لُبَّنَا ، فنحلب ونشرب ، وما يحلب إنسان قطرة لبن ، ولا يجدها في ضرع ، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم ‏‏‏:‏‏‏ ويلكم سرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب ، فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن ، وتروح غنمي شباعا لبنا ‏‏‏.‏‏‏

فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته ، وكان يشبّ شبابا لا يشبه الغلمان ، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا ‏‏‏.‏‏‏

 رجوع حليمة به إلى مكة أول مرة

قالت ‏‏‏:‏‏‏ فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شيء على مكثه فينا ، لما كنا نرى من بركته ‏‏‏.‏‏‏ فكلمنا أمه وقلت لها ‏‏‏:‏‏‏ لو تركت بُنيَّ عندي حتى يغلظ ، فإني أخشى عليه وبأ مكة ، قالت ‏‏‏:‏‏‏ فلم نزل بها حتى ردته معنا ‏‏‏.‏‏‏

 حديث الملكين اللذين شقا بطنه صلى الله عليه و سلم

قال ‏‏‏:‏‏‏ فرجعنا به ، فوالله إنه بعد مقدمنا به بشهر مع أخيه لفي بهم لنا خلف بيوتنا ، إذ أتانا أخوه يشتد ، فقال لي ولأبيه ‏‏‏:‏‏‏ ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض ، فأضجعاه ، فشقا بطنه ، فهما يسوطانه ‏‏‏.‏‏‏ قالت ‏‏‏:‏‏‏ فخرجت أنا وأبوه نحوه ، فوجدناه قائما مُنتَقَعا وجهه ‏‏‏.‏‏‏ قالت ‏‏‏:‏‏‏ فالتزمته والتزمه أبوه ، فقلنا له ‏‏‏:‏‏‏ ما لك يا بني ؛ قال ‏‏‏:‏‏‏ جاءني رجلان عليها ثياب بيض ، فأضجعاني وشقا بطني ، فالتمسا فيه شيئا لا أدري ما هو ‏‏‏.‏‏‏ قالت ‏‏‏:‏‏‏ فرجعنا به إلى خبائنا ‏‏‏.‏‏‏

 حليمة ترد محمدا صلى الله عليه وسلم إلى أمه

قالت ‏‏‏:‏‏‏ وقال لي أبوه ‏‏‏:‏‏‏ يا حليمة ، لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به ، قالت ‏‏‏:‏‏‏ فاحتملناه ، فقدمنا به على أمه ، فقالت ‏‏‏:‏‏‏ ما أقدمك به يا ظئر وقد كنت حريصة عليه ، وعلى مكثه عندك ‏‏‏؟‏‏‏ قالت ‏‏‏:‏‏‏ فقلت ‏‏‏:‏‏‏ قد بلغ الله بابني وقضيت الذي علي ، وتخوفت الأحداث عليه ، فأديته إليك كما تحبين ؛ قالت ‏‏‏:‏‏‏ ما هذا شأنك ، فاصدقيني خبرك ‏‏‏.‏‏‏ قالت ‏‏‏:‏‏‏ فلم تدعني حتى أخبرتها ‏‏‏.‏‏‏ قالت ‏‏‏:‏‏‏ أفتخوفت عليه الشيطان ‏‏‏؟‏‏‏ قالت ‏‏‏:‏‏‏ قلت ‏‏‏:‏‏‏ نعم ؛ قالت ‏‏‏:‏‏‏ كلا ، والله ما للشيطان عليه من سبيل ، وإن لبنيَّ لشأنا ، أفلا أخبرك خبره ، قالت ‏‏‏:‏‏‏ قلت ‏‏‏:‏‏‏ بلى ؛ قالت ‏‏‏:‏‏‏ رأيت حين حملت به ، أنه خرج مني نور أضاء قصور بصرى من أرض الشام ، ثم حملت به ، فوالله ما رأيت من حمل قط كان أخف عليَّ ولا أيسر منه ، ووقع حين ولدته وإنه لواضع يديه بالأرض ، رافع رأسه إلى السماء ، دعيه عنك وانطلقي راشدة ‏‏‏.‏‏‏

 الرسول يُسأل عن نفسه وإجابته صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ وحدثني ثور بن يزيد ، عن بعض أهل العلم ، ولا أحسبه إلا عن خالد بن معدان الكلاعي ‏‏‏:‏‏‏

أن نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا له ‏‏‏:‏‏‏ يا رسول الله ، أخبرنا عن نفسك ‏‏‏؟‏‏‏ قال ‏‏‏:‏‏‏ نعم ، أنا دعوة أبي إبراهيم ، وبشرى أخي عيسى ، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام ، واسترضعت في بني سعد بن بكر ، فبينا أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا ، إذ أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوءة ثلجا ، ثم أخذاني فشقا بطني ، واستخرجا قلبي فشقاه ، فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها ، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه ، ثم قال أحدهما لصاحبه ‏‏‏:‏‏‏ زنه بعشرة من أمته ، فوزنني بهم فوزنتهم ، ثم قال ‏‏‏:‏‏‏ زنه بمائة من أمته ، فوزنني بهم فوزنتهم ، ثم قال ‏‏‏:‏‏‏ زنه بألف من أمته ، فوزنني بهم فوزنتهم ، فقال ‏‏‏:‏‏‏ دعه عنك ، فوالله لو وزنه بأمته لوزنها ‏‏‏.‏‏‏

رعيه صلى الله عليه وسلم الغنم وافتخاره بقرشيته

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏‏‏:‏‏‏ ‏‏‏(‏‏‏ ما من نبي إلا وقد رعى الغنم ؛ قيل ‏‏‏:‏‏‏ وأنت يا رسول الله ‏‏‏؟‏‏‏ قال ‏‏‏:‏‏‏ وأنا ‏‏‏)‏‏‏ ‏‏‏.‏‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه ‏‏‏:‏‏‏ أنا أعربكم ، أنا قرشي ، واسترضعت في بني سعد بن بكر ‏‏‏.‏‏‏

 افتقاد حليمة له صلى الله عليه وسلم حين رجوعها به

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ وزعم الناس فيما يتحدثون ، والله أعلم ‏‏‏:‏‏‏ أن أمه السعدية لما قدمت به مكة أضلها في الناس وهي مقبلة به نحو أهله ، فالتمسته فلم تجده ، فأتت عبدالمطلب ، فقالت له ‏‏‏:‏‏‏ إني قد قدمت بمحمد هذه الليلة ‏‏‏.‏‏‏ فلما كنت بأعلى مكة أضلني ، فوالله ما أدرى أين هو ؛ فقام عبدالمطلب عند الكعبة يدعو الله أن يرده ؛ فيزعمون أنه وجده ورقة بن نوفل بن أسد ، ورجل آخر من قريش ، فأتيا به عبدالمطلب ، فقالا له ‏‏‏:‏‏‏ هذا ابنك وجدناه بأعلى مكة ، فأخذه عبدالمطلب ، فجعله على عنقه وهو يطوف بالكعبة يعوذه ويدعو له ، ثم أرسل به إلى أمه آمنة ‏‏‏.‏‏‏

 سبب آخر لرجوع حليمة به صلى الله عليه وسلم إلى مكة

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ وحدثني بعض أهل العلم ‏‏‏:‏‏‏

أن مما هاج أمه السعدية على رده إلى أمه ، مع ما ذكرت لأمه مما أخبرتها عنه ، أن نفرا من الحبشة نصارى ، رأوه معها حين رجعت به بعد فطامه ، فنظروا إليه وسألوها عنه وقلبوه ، ثم قالوا لها ‏‏‏:‏‏‏ لنأخذن هذا الغلام ، فلنذهبن به إلى ملكنا وبلدنا ، فإن هذا غلام كائن له شأن نحن نعرف أمره ، فزعم الذي حدثني أنها لم تكد تنفلت به منهم ‏‏‏.‏‏‏

 وفاة آمنة ، وحال رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جده عبدالمطلب بعدها

 وفاة أمه صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمه آمنة بنت وهب ، وجده عبدالمطلب بن هاشم في كلاءة الله وحفظه ، ينبته الله نباتا حسنا لما يريد به من كرامته ؛ فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ست سنين ، توفيت أمة آمنه بنت وهب ‏‏‏.‏‏‏

 عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وفاة أمه

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ حدثني عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ‏‏‏:‏‏‏

أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنة توفيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ست سنين بالأبواء ، بين مكة والمدينة ، وكانت قد قدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار ، تزيره إياهم ، فماتت وهي راجعة به إلى مكة ‏‏‏.‏‏‏

 سبب خؤولة بني عدي بن النجار لرسول الله صلى الله عليه و سلم

قال ابن هشام ‏‏‏:‏‏‏ أم عبدالمطلب بن هاشم ‏‏‏:‏‏‏ سلمى بنت عمرو النجارية ‏‏‏.‏‏‏ فهذه الخؤولة التي ذكرها ابن إسحاق لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ‏‏‏.‏‏‏

 إجلال عبدالمطلب له صلى الله عليه وسلم و هو صغير

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جده عبدالمطلب بن هاشم ، وكان يوضع لعبدالمطلب فراش في ظل الكعبة ، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه ، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له ؛ قال ‏‏‏:‏‏‏ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام جفر ، حتى يجلس عليه ، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه ، فيقول عبدالمطلب ، إذا رأى ذلك منهم ‏‏‏:‏‏‏ دعوا ابني ، فوالله إن له لشأنا ؛ ثم يجلسه معه على الفراش ، ويمسح ظهره بيده ، ويسره ما يراه يصنع ‏‏‏.‏‏‏

 وفاة عبدالمطلب وما رثي به من الشعر

وفاة عبدالمطلب ، و ما قيل فيه من الشعر

فلما بلغ روس الله صلى الله عليه وسلم ثماني سنين هلك عبدالمطلب بن هاشم ‏‏‏.‏‏‏ وذلك بعد الفيل بثماني سنين ‏‏‏.‏‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ وحدثني العباس بن عبدالله بن معبد بن العباس ، عن بعض أهله ‏‏‏:‏‏‏

أن عبدالمطلب توفي ورسوله الله صلى الله عليه وسلم ابن ثماني سنين ‏‏‏.‏‏‏

 عبدالمطلب يطلب من بناته أن يرثينه

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ حدثني محمد بن سعيد بن المسيب

أن عبدالمطلب لما حضرته الوفاة وعرف أنه ميت جمع بناته ، وكن ست نسوة ‏‏‏:‏‏‏ صفية ، وبرة ، وعاتكة ، وأم حكيم البيضاء ، وأميمة ، وأروى ، فقال لهن ‏‏‏:‏‏‏ ابكين علي حتى أسمع ما تقلن قبل أن أموت ‏‏‏.‏‏‏

قال ابن هشام ‏‏‏:‏‏‏ ولم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرف هذا الشعر ، إلا أنه لما رواه عن محمد بن سعيد بن المسيب كتبناه ‏‏‏.‏‏‏

 رثاء صفية بنت عبدالمطلب لأبيها

فقالت صفية بنت عبدالمطلب تبكي أباها ‏‏‏:‏‏‏

أرقت لصوت نائحة بليل * على رجل بقارعة الصعيدِ

ففاضت عند ذلكم دموعي * على خدي كمنحدر الفريد

على رجل كريم غير وغل * له الفضل المبين على العبيد

على الفياض شيبة ذي المعالي * أبيك الخير وارث كل جود

صدوق في المواطن غير نكس * ولا شخت المقام ولا سنيد

طويل الباع أروع شيظميّ * مطاع في عشيرته حميد

رفيع البيت أبلج ذي فضول * وغيث الناس في الزمن الحرود

كريم الجد ليس بذي وصوم * يروق على المسود والمسود

عظيم الحلم من نفر كرام * خضارمة ملاوثة أسود

فلو خلد امرؤ لقديم مجد * ولكن لا سبيل إلى الخلود

لكان مخلدا أخرى الليالي لفضل المجد والحسب التليد

 رثاء برة بنت عبدالمطلب لأبيها

وقالت برة بنت عبدالمطلب تبكي أباها ‏‏‏:‏‏‏

أعيني جودا بدمع دررْ على * طيب الخيم والمعتصرْ

على ماجد الجد واري الزناد * جميل المحيا عظيم الخطر

على شيبة الحمد ذي المكرمات * وذي المجد والعز والمفتخر

وذي الحلم والفصل في النائبات * كثير المكارم جم الفجر‏

له فضل مجد على قومه * منير يلوح كضوء القمر

أتته المنايا فلم تشوه * بصرف الليالي وريب القدر

 رثاء عاتكة بنت عبدالمطلب لأبيها

وقالت عاتكة بنت عبدالمطلب تبكي أباها ‏‏‏:‏‏‏

أعيني جودا ولا تبخلا * بدمعكما بعد نوم النيامْ

أعيني واسحنفرا واسكبا * وشوبا بكاءكما بالْتِدَام

أعيني واستخرطا واسجما * على رجل غير نكس كهام

على الجحفل الغمر في النائبات * كريم المساعي وفي الذمام

على شيبة الحمد واري الزناد * وذي مصدق بعد ثبت المقام

وسيف لدى الحرب صمصامة * ومردي المخاصم عند الخصام

وسهل الخليقة طلق اليدين * وفي عُدْمُلِّيّ صميم لهُام ‏‏

تَبَنَّك في باذخ بيته * رفيع الذؤابة صعب المرام

 رثاء أم حكيم بنت عبدالمطلب لأبيها

وقالت أم حكيم البيضاء بنت عبدالمطلب تبكي أباها ‏‏‏:‏‏‏

ألا يا عين جودي واستهلي * وبكي ذا الندى والمكرمات

ألا يا عين ويحك أسعفيني * بدمع من دموع هاطلات

وبكِّي خير من ركب المطايا * أباك الخير تيار الفرات

طويل الباع شيبة ذا المعالي * كريم الخيم محمود الهبات

وصولا للقرابة هبرزيا * وغيثا في السنين الممحلات

وليثا حين تشتجر العوالي * تروق له عيون الناظرات

عقيل بني كنانة والمرجى * إذا ما الدهر أقبل بالهنات

ومفزعها إذا ما هاج هيج * بداهية وخصم المعضلات

فبكيه ولا تسمي بحزن * وبكي ، مابقيت ، الباكيات

 رثاء أميمة بنت عبدالمطلب لأبيها

وقالت أميمة بنت عبدالمطلب تبكي أباها ‏‏‏:‏‏‏

ألا هلك الراعي العشيرة ذو الفقدِ * وساقي الحجيج والمحامي عن المجد

ومن يؤلف الضيف الغريب بيوته * إذا ما سماء الناس تبخل بالرعد

كسبت وليدا خير ما يكسب الفتى * فلم تنفكك تزداد ياشيبة الحمد

أبو الحارث الفياض خلاَّ مكانه * فلا تبعدن فكل حي إلى بعد

فإني لباك ما بقيت وموجع * وكان له أهلا لما كان من وجدي

سقاك ولي الناس في القبر ممطرا * فسوف أبكيه وإن كان في اللحد

فقد كان زينا للعشيرة كلها * وكان حميدا حيث ما كان من حمد

 رثاء أروى بنت عبدالمطلب لأبيها

وقال أروى بنت عبدالمطلب تبكي أباها ‏‏‏:‏‏‏

بكت عيني وحق لها البكاء * على سمح سجيته الحياءُ

على سهل الخليقة أبطحي * كريم الخيم نيته العلاء

على الفياض شيبة ذي المعالي * أبيك الخير ليس له كفاء

طويل الباع أملس شيظمي * أغر كأن غرته ضياء

أقب الكشح أروع ذي فضول * له المجد المقدم والسناء

أبيِّ الضيم أبلج هبرزي * قديم المجد ليس له خفاء

ومعقل مالك وربيع فهر * وفاصلها إذا التمس القضاء

وكان هو الفتى كرما وجودا * وبأسا حين تنسكب الدماء

إذا هاب الكماة الموت حتى * كأن قلوب أكثرهم هواء

مضى قدما بذي ربد خشيب * عليه حين تبصره البهاء

 إعجاب عبدالمطلب بالرثاء

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ فزعم لي محمد بن سعيد بن المسيب أنه أشار برأسه وقد أصمت ‏‏‏:‏‏‏ أن هكذا فابكينني ‏‏‏.‏‏‏

نسب المسيب بن حزن

قال ابن هشام ‏‏‏:‏‏‏ و المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ‏‏‏.‏‏‏

 رثاء حذيفة بن غانم لعبدالمطلب

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ وقال حذيفة بن غانم أخو بني عدي بن كعب بن لؤي يبكي عبدالمطلب بن هاشم بن بن عبد مناف ، ويذكر فضله وفضل قصي على قريش ، وفضل ولده من بعده عليهم ، وذلك أنه أخذ بغرم أربعة آلاف درهم بمكة ، فوقف بها فمر به أبو لهب عبدالعزى بن عبدالمطلب فافتكه ‏‏‏:‏‏‏

أعيني جودا بالدموع على الصدر * ولا تسأما أُسقيتما سبل القطر

وجودا بدمع واسفحا كل شارق * بكاء امرىء لم يشوه نائب الدهر

وسحا وجما واسجما ما بقيتما * على ذي حياء من قريش وذي ستر

على رجل جلد القوى ذي حفيظه * جميل المحيا غير نكس ولا هذر

على الماجد البهلول ذي الباع والندى* ربيع لؤي في القحوط وفي العسر

على خير حاف من معد وناعل * كريم المساعي طيب الخيم والنجر

وخيرهم أصلا وفرعا ومعدنا * وأحظاهم بالمكرمات وبالذكر

وأولاهم بالمجد والحلم والنهى * وبالفضل عند المجحفات من الغبر

على شيبة الحمد الذي كان وجهه * يضيء سواد الليل كالقمر البدر

وساقي الحجيج ثم للخبز هاشم * وعبد مناف ذلك السيد الفهري

طوى زمزما عند المقام فأصبحت * سقايته فخرا على كل ذي فخر

ليبك عليه كل عان بكربة * وآل قصي من مقل وذي وفر

بنوه سراة كهلهم وشبابهم * تفلق عنهم بيضة الطائر الصقر

قصي الذي عادى كنانة كلها * ورابط بيت الله في العسر واليسر

فإن تك غالته المنايا وصرفها * فقد عاش ميمون النقيبة والأمر

وأبقى رجالا سادة غير عزل * مصاليت أمثال الردينية السمر

أبو عتبة الملقى إليَّ حباؤه * أغر هجان اللون من نفر غر

وحمزة مثل البدر يهتز للندى * نقي الثياب والذمام من الغدر

وعبد مناف ماجد ذو حفيظة * وصول لذي القربي رحيم بذي الصهر

كهولهم خير الكهول ونسلهم * كنسل الملوك لا تبور ولا تحري

متى ما تلاقي منهم الدهر ناشئا * تجده بإجْرِيَّا أوائله يجري

هم ملئوا البطحاء مجدا وعزة * إذا استبق الخيرات في سالف العصر

وفيهم بناة للعلا وعمارة * وعبد مناف جدهم جابر الكسر

بإنكاح عوف بنته ليجيرنا * من أعدائنا إذ أسلمتنا بنو فهر

فسرنا تهامي البلاد ونجدها * بأمنه حتى خاضت العير في البحر

وهم حضروا والناس باد فريقهم * وليس بها إلا شيوخ بنو عمرو

بنوها ديارا جمة وطووا بها * بئارا تسح الماء من ثبج البحر

لكي يشرب الحجاج منها وغيرهم * إذا ابتدروها صبح تابعة النحر

ثلاثة أيام تظل ركابهم * مخيسة بين الأخاشب والحجر

وقدما غنينا قبل ذلك حقبة * ولا نستقي إلا بخُمَّ أو الحفر

وهم يغفرون الذنب ينقم دونه * ويعفون عن قول السفاهة والهجر‏‏

وهم جمعوا حلف الأحابيش كلها * وهم نكلوا عنا غواة بني بكر

فخارج ، إما أهلكنّ فلا تزل * لهم شاكرا حتى تغيب في القبر

ولا تنس ما أسدى ابن لُبنى فإنه * قد أسدى يدا محقوقة منك بالشكر

وأنت ابن لبنى من قصي إذا انتموا * بحيث انتهى قصد الفؤاد من الصدر

وأنت تناولت العلا فجمعتها * إلى محتد للمجد ذي ثبج جسر

سبقت وفت القوم بذلا ونائلا * وسدت وليدا كل ذي سؤدد غمر

وأمك سر من خزاعة جوهر * إذا حصل الأنساب يوما ذوو الخبر

إلى سبأ الأبطال تنمى وتنتمي * فأكرم بها منسوبة في ذرا الزهر

أبو شمر منهم وعمرو بن مالك * وذو جدن من قومها وأبو الجبر

وأسعد قاد الناس عشرين حجة * يؤيد في تلك المواطن بالنصر

قال ابن هشام ‏‏‏:‏‏‏ ‏‏‏(‏‏‏ أمك سر من خزاعة ‏‏‏)‏‏‏ ، يعني أبا لهب ، أمه لبنى بنت هاجر الخزاعي ‏‏‏.‏‏‏ وقوله ‏‏‏:‏‏‏ ‏‏‏(‏‏‏ بإجريا أوائله ‏‏‏)‏‏‏ عن غير ابن إسحاق ‏‏‏.‏‏‏

رثاء مطرود الخزاعي لعبدالمطلب و بني عبد مناف

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ وقال مطرود بن كعب الخزاعي يبكي عبدالمطلب وبني عبد مناف ‏‏‏:‏‏‏

يا أيها الرجل المحول رحله * هلا سألت عن آل عبد مناف

هبلتك أمك لو حللت بدارهم * ضمنوك من جرم ومن إقراف

الخالطين غنيهم بفقيرهم * حتى يعود فقيرهم كالكافي

المنعمين إذا النجوم تغيرت * والظاعنين لرحلة الإيلاف

والمطعمين إذا الرياح تناوحت * حتى تغيب الشمس في الرَّجَّاف

إما هلكت أبا الفعال فما جرى * من فوق مثلك عقد ذات نطاف

إلا أبيك أحي المكارم وحده * والفيض مُطَّلب أبي الأضياف

 ولاية العباس على سقاية زمزم

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ فلما هلك عبدالمطلب بن هاشم ولي زمزم والسقاية عليها بعده العباس بن عبدالمطلب ، وهو يومئذ من أحدث إخوته سنا ؛ فلم تزل إليه حتى قام الإسلام وهي بيده ‏‏‏.‏‏‏ فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم له على ما مضى من ولايته ، فهي إلى آل العباس ، بولاية العباس إياها ، إلى هذا اليوم ‏‏‏.‏‏‏

 

 كفالة أبي طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد عبدالمطلب مع عمه أبي طالب ، وكان عبدالمطلب - فيما يزعمون - يوصي به عمه أبا طالب ، وذلك لأن عبدالله أبا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبا طالب أخوان لأب وأم ، أمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم ‏‏‏.‏‏‏

قال ابن هشام ‏‏‏:‏‏‏ عائذ بن عمران بن مخزوم

 ولاية أبي طالب لأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ وكان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد جده ، فكان إليه ومعه ‏‏‏.‏‏‏

 اللهبي العائف

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ وحدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير ، أن أباه حدثه ‏‏‏:‏‏‏ أن رجلا من لهب - قال ابن هشام ‏‏‏:‏‏‏ ولهب ‏‏‏:‏‏‏ من أزد شنوءة - كان عائفا ، فكان إذا قدم مكة أتاه رجال قريش بغلمانهم ينظر إليهم ويعتاف لهم فيهم ‏‏‏.‏‏‏

قال ‏‏‏:‏‏‏ فأتى به أبو طالب وهو غلام ، مع من يأتيه ، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم شغله عنه شيء ، فلما فرغ قال ‏‏‏:‏‏‏ الغلام علي به ، فلما رأى أبو طالب حرصه عليه غيَّبه عنه ، فجعل يقول ‏‏‏:‏‏‏ ويلكم ، ردوا علي الغلام الذي رأيت آنفا ، فوالله ليكونن له شأن ‏‏‏.‏‏‏ قال ‏‏‏:‏‏‏ فانطلق أبو طالب ‏‏‏.‏‏‏

 قصة بحيرى

محمد صلى الله عليه وسلم يخرج مع عمه إلى الشام

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ ثم إن أبا طالب خرج في ركب تاجرا إلى الشام ، فلما تهيأ للرحيل ، وأجمع المسير صب به رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما يزعمون - فرق له أبو طالب وقال ‏‏‏:‏‏‏ ‏‏والله لأخرجن به معي ، ولا يفارقني ، ولا أفارقه أبدا ، أو كما قال ‏‏‏.‏‏‏

فخرج به معه ‏‏‏.‏‏‏

 بحيرى يحتفي بتجار قريش

فلما نزل الركب بُصرى من أرض الشام ، وبها راهب يقال له بحيرى في صومعه له ، وكان إليه علم أهل النصرانية ولم يزل في تلك الصومعة منذ قط راهب ، إليه يصير علمهم عن كتاب فيها فيما يزعمون ، يتوارثونه كابرا عن كابر ‏‏‏.‏‏‏

فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى وكانوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك فلا يكلمهم ولا يعرض لهم حتى كان ذلك العام ‏‏‏.‏‏‏ فلما نزلوا به قريبا من صومعته صنع لهم طعاما كثيرا ، وذلك فيما يزعمون عن شيء رآه و هو في صومعته ، يزعمون أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو في صومعته ، في الركب حين أقبلوا ، وغمامة تظله من بين القوم ‏‏‏.‏‏‏

قال ‏‏‏:‏‏‏ ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبا منه ‏‏‏.‏‏‏ فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة ، وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استظل تحتها ؛ فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته ، وقد أمر بذلك الطعام ، فصنع ثم أرسل إليهم ، فقال ‏‏‏:‏‏‏ إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش ، فأنا أحب أن تحضروا كلكم ، صغيركم وكبيركم ، وعبدكم وحركم ‏‏‏:‏‏‏ فقال له رجل منهم ‏‏‏:‏‏‏ والله يا بحيرى إن لك لشأنا اليوم ، فما كنت تصنع هذا بنا ، وقد كنا نمر بك كثيرا ، فما شأنك اليوم ‏‏‏؟‏‏‏ قال له بحيرى ‏‏‏:‏‏‏ صدقت ، قد كان ما تقول ، ولكنكم ضيف ، وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما فتأكلوا منه كلكم ‏‏‏.‏‏‏

فاجتمعوا إليه ، وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم ، لحداثة سنه ، في رحال القوم تحت الشجرة ؛ فلما نظر بحيرى في القوم لم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده ، فقال ‏‏‏:‏‏‏ يا معشر قريش ، لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي ؛ قالوا له ‏‏‏:‏‏‏ يا بحيرى ، ما تخلف عنك أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام ، وهو أحدث القوم سنا ، فتخلف في رحالهم ؛ فقال ‏‏‏:‏‏‏ لا تفعلوا ، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم ‏‏‏.‏‏‏ قال ‏‏‏:‏‏‏ فقال رجل من قريش مع القوم ‏‏‏:‏‏‏ واللات والعزى ، إن كان للؤم بنا أن يتخلف ابن عبدالله بن عبدالمطلب عن طعام من بيننا ، ثم قام إليه فاحتضنه وأجلسه مع القوم ‏‏‏.‏‏‏

 بحيرى يتثبت من محمد صلى الله عليه وسلم

فلما رآه بحيرى جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده ، قد كان يجدها عنده من صفته ، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا ، قام إليه بحيرى ، فقال له ‏‏‏:‏‏‏ يا غلام ، أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه ؛ وإنما قال له بحيرى ذلك ، لأنه سمع قومه يحلفون بهما ‏‏‏.‏‏‏ فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له ‏‏‏:‏‏‏ لا تسألني باللات والعزى شيئا ، فوالله ما أبغضت شيئا قط بغضهما ؛ فقال له بحيرى ‏‏‏:‏‏‏ فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه ؛ فقال له ‏‏‏:‏‏‏ سلني عما بدا لك ‏‏‏.‏‏‏

فجعل يسأله عن أشياء من حاله في نومه وهيئته وأموره ؛ فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره ، فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته ، ثم نظر إلى ظهره ، فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده ‏‏‏.‏‏‏

قال ابن هشام ‏‏‏:‏‏‏ وكان مثل أثر المحجم ‏‏‏.‏‏‏

 بحيرى يوصي أبا طالب بمحمد صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ فلما فرغ ، أقبل على عمه أبي طالب ، فقال له ‏‏‏:‏‏‏ ما هذا الغلام منك ‏‏‏؟‏‏‏ قال ‏‏‏:‏‏‏ ابني ‏‏‏.‏‏‏ قال له بحيرى ‏‏‏:‏‏‏ ما هو بابنك ، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا ؛ قال ‏‏‏:‏‏‏ فإنه ابن أخي ؛ قال ‏‏‏:‏‏‏ فما فعل أبوه ‏‏‏؟‏‏‏ قال ‏‏‏:‏‏‏ مات وأمه حبلى به ؛ قال ‏‏‏:‏‏‏ صدقت ، فارجع بابن أخيك إلى بلده ، واحذر عليه يهود ، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا ، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم ، فأسرع به إلى بلاده ‏‏‏.‏‏‏

 بعض من أهل الكتاب يريدون بمحمد صلى الله عليه وسلم الشر

فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام ؛ فزعموا فيما روى الناس ‏‏‏:‏‏‏ أن زريرا وتماما ودريسا ، وهم نفر من أهل الكتاب ، قد كانوا رأوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما رآه بحيرى في ذلك السفر ، الذي كان فيه مع عمه أبي طالب ، فأرادوه فردهم عنه بحيرى ، وذكرهم الله وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفته ، وأنهم إن أجمعوا لما أرادوا به لم يخلصوا إليه ولم يزل بهم حتى عرفوا ما قال لهم ، وصدقوه بما قال ، فتركوه وانصرفوا عنه ‏‏‏:‏‏‏

 محمد صلى الله عليه وسلم يشب على مكارم الأخلاق

فشب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله تعالى يكلؤه ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية ، لما يريد به من كرامته ورسالته ، حتى بلغ أن كان رجلا ، وأفضل قومه مروءة ، وأحسنهم خلقا ، وأكرمهم حسبا ، وأحسنهم جوارا ، وأعظمهم حلما ، وأصدقهم حديثا ، وأعظمهم أمانة ، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال ، تنـزها وتكرما ، حتى ما اسمه في قومه إلا الأمين ، لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة ‏‏‏.‏‏‏

 رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن حفظ الله له

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر لي - يحدث عما كان الله يحفظه به في صغره وأمر جاهليته ، أنه قال ‏‏‏:‏‏‏

لقد رأيتني في غلمان قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان ، كلنا قد تعرى ، وأخذ إزاره فجعله على رقبته ، يحمل عليه الحجارة ؛ فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر ، إذ لكمني لاكم ما أراه ، لكمة وجيعة ، ثم قال ‏‏‏:‏‏‏ شد عليك إزارك ؛ قال ‏‏‏:‏‏‏ فأخذته وشددته علي ، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري علي من بين أصحابي ‏‏‏.‏‏‏ ‏‏

 حرب الفجار

 سببها

قال ابن هشام ‏‏‏:‏‏‏ فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة ، فيما حدثني أبو عبيدة النحوي ، عن أبي عمرو بن العلاء ، هاجت حرب الفجار بين قريش ، ومن معها من كنانة ، وبين قيس عيلان ‏‏‏.‏‏‏

وكان الذي هاجها أن عروة الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن ، أجار لطيمة للنعمان بن المنذر ؛ فقال له البراض بن قيس ، أحد بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة ‏‏‏:‏‏‏ أتجيرها على كنانة ‏‏‏؟‏‏‏ قال ‏‏‏:‏‏‏ نعم ، وعلى الخلق كله ‏‏‏.‏‏‏ فخرج فيها عروة الرحال وخرج البراض يطلب غفلته ، حتى إذا كان بتيمن ذي طلال بالعالية ، غفل عروة فوثب عليه البراض فقتله في الشهر الحرام ، فلذلك سمي الفجار ‏‏‏.‏‏‏

وقال البراض في ذلك ‏‏‏:‏‏‏

وداهية تهم الناس قبلي * شددت لها بني بكر ضلوعي

هدمت بها بيوت بني كلاب * وأرضعت الموالي بالضروع

رفعت له بذي طلال كفي * فخر يميد كالجذع الصريع

وقال لبيد بن مالك بن جعفر بن كلاب ‏‏‏:‏‏‏

أبلغ ، إن عرضت ، بني كلاب * وعامر والخطوب لها موالي

وبلغ ، إن عرضت ، بني نمير * وأخوال القتيل بني هلال

بأن الوافد الرحال أمسى * مقيما عند تيمن ذي طلال

وهذه الأبيات في أبيات له فيما ذكر ابن هشام ‏‏‏.‏‏‏

 قتال هوازن لقريش

قال ابن هشام ‏‏‏:‏‏‏ فأتى آت قريشا ، فقال ‏‏‏:‏‏‏ إن البراض قد قتل عروة ، وهم في الشهر الحرام بعكاظ ، فارتحلوا وهوازن لا تشعر بهم ، ثم بلغهم الخبر فأتبعوهم ، فأدركوهم قبل أن يدخلوا الحرم ، فاقتتلوا حتى جاء الليل ، ودخلوا الحرم ، فأمسكت عنهم هوازن ، ثم التقوا بعد هذا اليوم أياما ، والقوم متساندون على كل قبيل من قريش وكنانة رئيس منهم ، وعلى كل قبيل من قيس رئيس منهم ‏‏‏.‏‏‏

 الرسول صلى الله عليه وسلم يشهد القتال وهو صغير

وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أيامهم ، أخرجه أعمامه معهم ‏‏‏.‏‏‏ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏‏:‏‏‏ كنت أُنَبِّل على أعمامي ‏‏‏:‏‏‏ أي أرد عليهم نبل عدوهم إذا رموهم بها ‏‏‏.‏‏‏

سن رسول الله صلى الله عليه و سلم عند حرب الفجار

قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ هاجت حرب الفجار ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة ‏‏‏.‏‏‏

سبب تسمية هذا اليوم بالفجار

وإنما سمي يوم الفجار بما استحل هذان الحيان ، كنانة وقيس عيلان ، فيه من المحارم بينهم‏‏‏.‏‏‏