الرجوع الى الرئيسية>>>

   صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإنجيل وبعثته لناس  وبداية اضهار عداوة قريش له

 يحنس الحواري يثبت بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم من الإنجيل

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقد كان ، فيما بلغني عما كان وضع عيسى بن مريم فيما جاءه من الله في الإنجيل لأهل الإنجيل من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مما أثبتت يحُنَّس الحواري لهم ، حين نسخ لهم الإنجيل عن عهد عيسى بن مريم عليه السلام في رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم أنه قال ‏‏:‏‏ من أبغضني فقد أبغض الرب ، ولولا أني صنعت بحضرتهم صنائع لم يصنعها أحد قبلي ، ما كانت لهم خطيئة ، ولكن من الآن بطروا وظنوا أنهم يعزونني ، وأيضا للرب ، ولكن لا بد من أن تتم الكلمة التي في الناموس ‏‏:‏‏ أنهم أبغضوني مجَّانا ، أي باطلا ‏‏.‏‏ فلو قد جاء اُلمنْحَمَنَّا هذا الذي يُرسله الله إليكم من عند الرب ، وروح القدس ، هذا الذي من عند الرب خرج ، فهو شهيد علي وأنتم أيضا ، لأنكم قديما كنتم معي في هذا قلت لكم ‏‏:‏‏ لكيما لا تشكوا ‏‏.‏‏

والمنحمنا بالسريانية ‏‏:‏‏ محمد ، وهو بالرومية ‏‏:‏‏ البرَقْلِيطس ، صلى الله عليه و آله و سلم‏‏.‏‏

 مبعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما

 أخذ الله الميثاق على الرسل الإيمان به صلى الله عليه وسلم

قال حدثنا أبو محمد عبدالملك بن هشام ، قال ‏‏:‏‏ حدثنا زياد بن عبدالله البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي قال ‏‏:‏‏ فلما بلغ محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين سنة بعثه الله تعالى رحمة للعالمين ، وكافة للناس بشيرا ، وكان الله تبارك وتعالى قد أخذ الميثاق على كل نبي بعثه قبله بالإيمان به ، والتصديق له ، والنصر له على من خالفه ، وأخذ عليهم أن يؤدوا ذلك إلى كل من آمن بهم وصدقهم ، فأدوا من ذلك ما كان عليهم من الحق فيه ‏‏.‏‏

يقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ وإذ أخذ الله ميثاق النيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ، ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ، لتؤمنن به ولتنصرنه ، قال ‏‏:‏‏ أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري ‏‏)‏‏ ‏‏:‏‏ أي ثقل ما حملتكم من عهدي ‏‏(‏‏ قالوا أقررنا ، قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ فأخذ الله ميثاق النبيين ‏جميعا بالتصديق له ، والنصر له ممن خالفه ، وأدوا ذلك إلى من آمن بهم وصدقهم من أهل هذين الكتابـين ‏‏.‏‏

 الرؤيا الصادقة أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فذكر الزهري عن عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي الله عنها أنها حدثته ‏‏:‏‏ أن أول ما بُدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة ، حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به ، الرؤيا الصادقة ، لا يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا في نومه إلا جاءت كفلق الصبح ‏‏.‏‏ قالت ‏‏:‏‏ وحبب الله تعالى إليه الخلوة ، فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده ‏‏.‏‏

 سلام الحجر والشجر عليه صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني عبدالملك بن عبيد الله بن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي ، وكان واعية ، عن بعض أهل العلم ‏‏:‏‏

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراده الله بكرامته ، وابتدأه بالنبوة ، كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى تحسر عنه البيوت ويفضي إلى شعاب مكة وبطون أوديتها ، فلا يمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر ولا شجر إلا قال ‏‏:‏‏ السلام عليك يا رسول الله ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فيلتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏حوله وعن يمينه وشماله وخلفه ، فلا يرى إلا الشجر والحجارة ‏‏.‏‏ فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك يرى ويسمع ، ما شاء الله أن يمكث ، ثم جاءه جبريل عليه السلام بما جاءه من كرامة الله ، وهو بحراء في شهر رمضان ‏‏.‏‏ ‏

 نزول جبريل عليه صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني وهب بن كيسان ، مولى آل الزبير ، قال ‏‏:‏‏ سمعت عبدالله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي ‏‏:‏‏ حدثنا يا عبيد ، كيف كان بدء ما ابتدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة ، حين جاءه جبريل عليه السلام ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ فقال ‏‏:‏‏ عبيد - وأنا حاضر يحدث عبدالله بن الزبير ومن عنده من الناس - ‏‏:‏‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في حراء من كل سنة شهرا ، وكان ذلك مما تحنَّث به قريش في الجاهلية ‏‏.‏‏ والتحنث التبرر ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقال أبو طالب ‏‏:‏‏

وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه * وراق ليرقى في حراء ونازلِ

 التحنث والتحنف

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ تقول العرب ‏‏:‏‏ التحنث والتحنف ، يريدون الحنيفية فيبدلون الفاء من الثاء ، كما قالوا ‏‏:‏‏ جدف ، وجدث ، يريدون القبر ‏‏.‏‏ قال رؤبة بن العجاج ‏‏:‏‏

لو كان أحجاري مع الأجداف *

يريد ‏‏:‏‏ الأجداث ‏‏.‏‏ وهذا البيت في أرجوزة له ‏‏.‏‏ وبيت أبي طالب في قصيدة له ، سأذكرها إن شاء الله في موضعها ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وحدثني أبو عبيدة أن العرب تقول ‏‏:‏‏ فم ، في موضع ثم ، يبدلون الفاء من الثاء ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ و حدثني وهب بن كيسان قال ‏‏:‏‏ قال عبيد ‏‏:‏‏ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك يجاور الشهر من كل سنة ، يطعم من جاءه من المساكين ، فإذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره من شهره ذلك ، كان أول ما يبدأ به ، إذا انصرف من جواره ، الكعبة ، قبل أن يدخل بيته ، فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك ، ثم يرجع إلى بيته ، ‏حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله تعالى به فيه ما أراد من كرامته ، من السنة التي بعثه الله تعالى فيها ؛ وذلك الشهر شهر رمضان ، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حراء ، كما كان يخرج لجواره ومعه أهله ، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ، ورحم العباد بها ، جاءه جبريل عليه السلام بأمر الله تعالى ‏‏.‏‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ فجاءني جبريل ، وأنا نائم ، بنمط من ديباج فيه كتاب ، فقال ‏‏:‏‏ اقرأ ؛ قال ‏‏:‏‏ قلت ‏‏:‏‏ ما أقرأ ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ فغتَّني به حتى ظننت أنه الموت ، ثم أرسلني ، فقال ‏‏:‏‏ اقرأ قال ‏‏:‏‏ قلت ‏‏:‏‏ ما أقرأ ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ فغتني به حتى ظننت أنه الموت ، ثم أرسلني ، فقال ‏‏:‏‏ اقرأ ؛ قال ‏‏:‏‏ قلت ‏‏:‏‏ ماذا أقرأ ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ فغتني به حتى ظننت أنه الموت ، ثم أرسلني ، فقال ‏‏:‏‏ اقرأ ؛ قال ‏‏:‏‏ فقلت ‏‏:‏‏ ماذا أقرأ ‏‏؟‏‏ ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي ؛ فقال ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ اقرأ باسم ربك الذي خلق ‏‏.‏‏ خلق الإنسان من علق ‏‏.‏‏ اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ‏‏.‏‏ علم الإنسان ما لم يعلم ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فقرأتها ثم انتهى فانصرف عني وهببت من نومي ، فكأنما كتبت في قلبي كتابا ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول ‏‏:‏‏ يا محمد ، أنت رسول الله وأنا جبريل ؛ قال ‏‏:‏‏ فرفعت رأسي إلى السماء أنظر ، فإذا جبريل في صورة رجل صافّ قدميه في أفق السماء يقول ‏‏:‏‏ يا محمد ، أنت رسول الله وأنا جبريل ؛ قال ‏‏:‏‏ فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر ، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء ، قال ‏‏:‏‏ فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك ، فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي ، فبلغوا أعلى مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك ؛ ثم انصرف عني ‏‏.‏‏

 الرسول صلى الله عليه وسلم يخبر خديجة رضي الله عنها بنـزول جبريل عليه

وانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا إليها ‏‏:‏‏ فقالت ‏‏:‏‏ يا أبا القاسم ، أين كنت ‏‏؟‏‏ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا لي ، ثم حدثتها بالذي رأيت ، فقالت ‏‏:‏‏ أبشر يا ابن عم واثبت ، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة ‏‏.‏‏

 خديجة رضي الله عنها تخبر ورقة بن نوفل حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم

ثم قامت فجمعت عليها ثيابها ، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل بن أسد بن عبدالعزى بن قصي ، وهو ابن عمها ، وكان ورقة قد تنصر وقرأ الكتب ، وسمع من أهل التوراة والإنجيل ، فأخبرته بما أخبرها به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه رأى وسمع ؛ فقال ورقة بن نوفل ‏‏:‏‏ قدوس قدوس ، والذي نفس ورقة بيده ، لئن كنت صدقتيني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى ، وإنه لنبي هذه الأمة ، فقولي له ‏‏:‏‏ فليثبت ‏‏.‏‏

فرجعت خديجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول ورقة بن نوفل ، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره وانصرف ، صنع كما كان يصنع بدأ بالكعبة فطاف بها ، فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف بالكعبة فقال ‏‏:‏‏ يا ابن أخي أخبرني بما رأيت وسمعت ، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقال له ورقة ‏‏:‏‏ والذي نفسي بيده ، إنك لنبي هذه الأمة ، وقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه ، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه ، ثم أدنى رأسه منه ، فقبل يافوخه ، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منـزله ‏‏.‏‏

 تثبت خديجة رضي الله عنها من الوحي

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير ‏‏:‏‏ أنه حُدث عن خديجة رضي الله عنها أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ أي ابن عم ، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ نعم ؛ قالت ‏‏:‏‏ فإذا جاءك فأخبرني به ‏‏.‏‏

فجاءه جبريل عليه السلام كما كان يصنع ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخديجة ‏‏:‏‏ يا خديجة ، هذا جبريل قد جاءني ؛ قالت ‏‏:‏‏ قم يا ابن عم فاجلس على فخذي اليسرى ؛ قال ‏‏:‏‏ فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عليها ؛ قالت ‏‏:‏‏ هل تراه ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ نعم ؛ قالت ‏‏:‏‏ فتحولْ فاجلس على فخذي اليمنى ؛ قال ‏‏:‏‏ فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس على فخذها اليمنى ؛ فقالت ‏‏:‏‏ هل تراه ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ نعم ‏‏.‏‏ قالت ‏‏:‏‏ فتحول فاجلس في حجري ؛ قالت ‏‏:‏‏ فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس في حجرها ؛ قالت ‏‏:‏‏ هل تراه ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ نعم ؛ قال ‏‏:‏‏ فتحسرت وألقت خمارها ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في حجرها ، ثم قالت له ‏‏:‏‏ هل تراه ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ لا ؛ قالت ‏‏:‏‏ يا ابن عم ، اُُثبت وأبشر ، فوالله إنه لملك وما هذا بشيطان ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقد حدثت عبدالله بن حسن هذا الحديث ، فقال ‏‏:‏‏ قد سمعت أمي فاطمة بنت حسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة ، إلا أني سمعتها تقول ‏‏:‏‏ أدخلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها وبين درعها ، فذهب عند ذلك جبريل ، فقالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ إن هذا لملك وما هو بشيطان ‏‏.‏‏ ‏

 ابتداء تنـزيل القرآن

 متى نزل القرآن

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فابتدىء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتنـزيل في شهر رمضان ، بقول الله عز وجل ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ وقال الله تعالى ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ إنا أنزلناه في ليلة القدر ‏‏.‏‏وما أدراك ما ليلة القدر ‏‏.‏‏ ليلة القدر خير من ألف شهر ‏‏.‏‏ تنـزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر ‏‏.‏‏ سلام هي حتى مطلع الفجر ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ وقال الله تعالى ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ حم والكتاب المبين ‏‏.‏‏ إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين ‏‏.‏‏ فيها يفرق كل أمر حكيم ‏‏.‏‏ أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ وقال تعالى ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ وذلك ملتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين ببدر ‏‏.‏‏

 تاريخ وقعة بدر

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني أبو جعفر محمد بن علي بن حسين ‏‏:‏‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم التقى هو والمشركون ببدر يوم الجمعة ، صبيحة سبع عشرة من رمضان ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم تتامّ الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏.‏‏ وهو مؤمن بالله مصدق بما جاءه منه ، قد قبله بقبوله ، وتحمل منه ما حمله على رضا العباد وسخطهم ، والنبوة أثقال ومؤنة ، لا يحملها ولا يستطيع بها إلا أهل القوة والعزم من الرسل بعون الله تعالى وتوفيقه ، لما يلقون من الناس وما يرد عليهم مما جاءوا به عن الله سبحانه وتعالى ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله ، على ما يلقى من قومه من الخلاف والأذى ‏‏.‏‏

 إسلام خديجة بنت خويلد

 وقوفها بجانبه صلى الله عليه وسلم

وآمنت به خديجة بنت خويلد ، وصدقت بما جاءه من الله ، ووازرته على أمره ، وكانت أول من آمن بالله وبرسوله ، وصدق بما جاء منه ‏‏.‏‏ فخفف الله بذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم ، لا يسمع شيئا مما يكرهه من رد عليه وتكذيب له ، فيحزنه ذلك ، إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها ، تثبته وتخفف عليه ، وتصدقه وتهون عليه أمر الناس ، رحمها الله تعالى ‏‏.‏‏

 تبشير الرسول لخديجة ببيت من قصب

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني هشام بن عروة ، عن أبيه عروة بن الزبير ، عن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ، قال ‏‏:‏‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ أمرت أن أُبشِّر خديجة ببيت من قصب ، لا صخب فيه ولانصب ‏‏.‏‏ ‏قال ابن هشام ‏‏:‏‏ القصب ههنا ‏‏:‏‏ اللؤلؤ المجوف ‏‏.‏‏

 جبريل يقرىء خديجة السلام من ربها

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وحدثني من أثق به ، أن جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقال ‏‏:‏‏ أقرىء خديجة السلام من ربها ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ يا خديجة ، هذا جبريل يقرئك السلام من ربك ، فقالت خديجة ‏‏:‏‏ الله السلام ، ومنه السلام ، وعلى جبريل السلام ‏‏.‏‏

 فترة الوحي ونزول سورة الضحى

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم فتر الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فترة من ذلك ، حتى شق ذلك عليه فأحزنه ، فجاءه جبريل بسورة الضحى ، يقسم له ربه ، وهو الذي أكرمه بما أكرمه به ، ما ودعه وما قلاه ، فقال تعالى ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ والضحى والليل إذا سجى ‏‏.‏‏ ما ودعك ربك وما قلى ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ يقول ‏‏:‏‏ ما صرمك فتركك ، وما أبغضك منذ أحبك ‏‏.‏‏ ‏‏(‏‏ وللآخرة خير لك من الأولى ‏‏)‏‏ ‏‏:‏‏ أي لما عندي من مرجعك إلي ، خير لك مما عجلت لك من الكرامة في الدنيا ‏‏.‏‏ ‏‏(‏‏ ولسوف يعطيك ربك فترضى ‏‏)‏‏ من الفُلْج في الدنيا ، والثواب في الآخرة ‏‏.‏‏ ‏‏(‏‏ ألم يجدك يتيما فآوى ‏‏.‏‏ ووجدك ضالا فهدى ‏‏.‏‏ ووجدك عائلا فأغنى ‏‏)‏‏ يعرفه الله ما ابتدأه به من كرامته في عاجل أمره ، ومنِّه عليه في يتمه وعيلته وضلالته ، واستنقاذه من ذلك كله برحمته ‏‏.‏‏

 تفسير ابن هشام لمفردات سورة الضحى

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ سجى ‏‏:‏‏ سكن ‏‏.‏‏ قال أمية بن أبي الصلت الثقفي ‏‏:‏‏

إذ أتى موهنا وقد نام صحبي * وسجا الليل بالظلام البهيم

وهذا البيت في قصيدة له ، ويقال للعين إذا سكن طرفها ‏‏:‏‏ ساجية ، وسجا طرفها ‏‏.‏‏

قال جرير بن الخطفى ‏‏:‏‏

ولقد رمينك حين رحن بأعين * يقتلن من خلل الستور سواجي

وهذا البيت في قصيدة له ‏‏.‏‏ والعائل ‏‏:‏‏ الفقير ‏‏.‏‏ قال أبو خراش الهذلي ‏‏:‏‏

إلى بيته يأوي الضريك إذا شتا * ومستنبح بالي الدريسين عائل

وجمعه ‏‏:‏‏ عالة وعيل ‏‏.‏‏ وهذا البيت في قصيدة له سأذكرها في موضعها إن شاء الله ‏‏.‏‏ والعائل أيضا ‏‏:‏‏ الذي يعول العيال ‏‏.‏‏ والعائل أيضا ‏‏:‏‏ الخائف ‏‏.‏‏ وفي كتاب الله تعالى ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ذلك أدنى ألا تعولوا ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ وقال أبو طالب ‏‏:‏‏

بميزان قسط لا يخس شعيرة * له شاهد من نفسه غيرُ عائل

وهذا البيت في قصيدة له سأذكرها أن شاء الله في موضعها ‏‏.‏‏ والعائل أيضا ‏‏:‏‏ الشيء المثقل المعيي ‏‏.‏‏ يقول الرجل ‏‏:‏‏ قد عالني هذا الأمر ‏‏:‏‏ أي أثقلني وأعياني ، قال الفرزدق ‏‏:‏‏

ترى الغر الجحاجح من قريش * إذا ما الأمر في الحدثان عالا

وهذا البيت في قصيدة له ‏‏.‏‏

‏‏(‏‏ فأما اليتيم فلا تقهر ‏‏.‏‏ وأما السائل فلا تنهر ‏‏)‏‏ ‏‏:‏‏ أي لا تكن جبارا ولا متكبرا ، ولا فحاشا فظا على الضعفاء من عباد الله ‏‏.‏‏ ‏‏(‏‏ وأما بنعمة ربك فحدث ‏‏)‏‏ ‏‏:‏‏ أي بما جاءك من الله من نعمته وكرامته ‏من النبوة فحدث ، أي اذكرها وادع إليها ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ما أنعم الله به عليه وعلى العباد به من النبوة سرا إلى من يطمئن إليه من أهله ‏‏.‏‏

 

 ابتداء ما افترض الله سبحانه وتعالى على النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة وأوقاتها

 

وافتُرضت الصلاة عليه ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وآله ، والسلام عليه وعليهم ورحمة الله وبركاته ‏‏.‏‏

 افترضت الصلاة ركعتين ركعتين ثم زيدت

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني صالح بن كيسان عن عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي الله عنها قالت ‏‏:‏‏ افترضت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما افترضت عليه ركعتين ركعتين ، كل صلاة ؛ ثم إن الله تعالى أتمها في الحضر أربعا ، وأقرها في السفر على فرضها الأول ركعتين ‏‏.‏‏

 جبريل يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم الوضوء والصلاة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني بعض أهل العلم ‏‏:‏‏ أن الصلاة حين افترضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أتاه جبريل وهو بأعلى مكة ، فهمز له بعقبه في ناحية الوادي ، فانفجرت منه عين ، فتوضأ جبريل عليه السلام ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه ، ليريه كيف الطهور للصلاة ، ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رأى جبريل توضأ ، ثم قام به جبريل فصلى به ، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاته ، ثم انصرف جبريل عليه السلام ‏‏.‏‏

 الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم خديجة الوضوء والصلاة

فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة ، فتوضأ لها ليريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبريل ، فتوضأت كما توضأ لها رسول الله عليه الصلاة والسلام ، ثم صلى بها رسول الله عليه الصلاة والسلام كما صلى به جبريل فصلت بصلاته ‏‏.‏‏

 جبريل يعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم أوقات الصلاة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني عتبة بن مسلم ، مولى بني تميم ، عن نافع بن جبير بن مطعم ، وكان نافع كثير الرواية ، عن ابن عباس قال ‏‏:‏‏ لما افترضت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام ، فصلى به الظهر حين مالت الشمس ، ثم صلى به العصر حين كان ظله مثله ، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس ، ثم صلى به العشاء الآخرة حين ذهب الشفق ، ثم صلى به الصبح حين طلع الفجر ، ثم جاءه فصلى به الظهر من غد حين كان ظله مثله ، ثم صلى به العصر حين كان ظله مثليه ، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس لوقتها بالأمس ، ثم صلى به العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل الأول ، ثم صلى به الصبح مسفرا غير مشرق ، ثم قال ‏‏:‏‏ يا محمد ، الصلاة فيما بين صلاتك اليوم وصلاتك بالأمس ‏‏.‏‏

 ذكر أن علي بن أبي طالب رضي لله عنه أول ذكر أسلم

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم كان أول ذَكَر من الناس آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصلى معه وصدق بما جاءه من الله تعالى ‏‏:‏‏ علي بن أبي طالب ابن عبدالمطلب بن هاشم ، رضوان الله وسلامه عليه ، وهو يومئذ ابن عشر سنين ‏‏.‏‏

نعمة الله على علي بنشأته في كنف الرسول

وكان مما أنعم الله به على علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، أنه كان في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الإسلام ‏‏.‏‏

سبب هذه النشأة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني عبدالله بن أبي نجيح ، عن مجاهد بن جبر بن أبي الحجاج ، قال ‏‏:‏‏ كان من نعمة الله علي علي بن أبي طالب ، ومما صنع الله له ، وأراده به من الخير ، أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة ، وكان أبو طالب ذا عيال كثير ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس عمه ، وكان من أيسر بني هاشم ، يا عباس ‏‏:‏‏ إن أخاك أبا طالب كثير العيال ، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة ، فانطلق بنا إليه ، فلنخفف عنه من عياله ، آخذ من بنيه رجلا ، وتأخذ أنت رجلا ، فنكلهما عنه ؛ فقال العباس ‏‏:‏‏ نعم ‏‏.‏‏

فانطلقا حتى أتيا أبا طالب ، فقالا له ‏‏:‏‏ إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه ؛ فقال لهما أبو طالب ‏‏:‏‏ إذا تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما - قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويقال ‏‏:‏‏ عقيلا وطالبا - ‏‏.‏‏

فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا ، فضمه إليه ، وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه ؛ فلم يزل علي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله تبارك وتعالى‏ نبيا ، فاتبعه علي رضي الله عنه ، وآمن به وصدقه ؛ ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه ‏‏.‏‏

الرسول صلى الله عليه وسلم وعلي يخرجان إلى الصلاة في شعب مكة واكتشاف أبي طالب لهما

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة ، وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من أبيه أبي طالب ، ومن جميع أعمامه وسائر قومه ، فيصليان الصلوات فيها ، فإذا أمسيا رجعا ‏‏.‏‏ فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا ‏‏.‏‏ ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما وهما يصليان ، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ يا ابن أخي ‏‏!‏‏ ما هذا الدين الذي أراك تدين به ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ أي عم ، هذا دين الله ، ودين ملائكته ، ودين رسله ، ودين أبينا إبراهيم - أو كما قال صلى الله عليه وسلم - بعثني الله به رسولا إلى العباد ، وأنت أي عم ، أحق من بذلت له النصيحة ، ودعوته إلى الهدى ، وأحق من أجابني إليه وأعانني عليه ، أو كما قال ؛ فقال أبو طالب ‏‏:‏‏ أي ابن أخي ، إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائي وما كانوا عليه ، ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما بقيت ‏‏.‏‏

وذكروا أنه قال لعلي ‏‏:‏‏ أي بني ، ما هذا الدين الذي أنت عليه ‏‏؟‏‏ فقال ‏‏:‏‏ يا أبت ، آمنت بالله وبرسول الله ، وصدقته بما جاء به ، وصليت معه لله واتبعته ‏‏.‏‏ فزعموا أنه قال له ‏‏:‏‏ أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه ‏‏.‏‏

 إسلام زيد بن حارثة ثانيا

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم أسلم زيد بن حارثة بن شرحبيل بن كعب بن عبدالعزى ابن امرئ القيس الكلبي ، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أول ذكر أسلم ، وصلى بعد علي بن أبي طالب ‏‏.‏‏

  نسب زيد

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبدالعزى بن امرىء القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة ‏‏.‏‏

وكان حكيم بن حزام بن خويلد قدم من الشام برقيق ، فيهم زيد بن حارثة وصيف ، فدخلت عليه عمته خديجة بنت خويلد ، وهي يومئذ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لها ‏‏:‏‏ اختاري يا عمة أي هؤلاء الغلمان شئت فهو لك ؛ فاختارت زيدا فأخذته ، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها ، فاستوهبه منها ، فوهبته له ، فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبناه ، وذلك قبل أن يوحى إليه ‏‏.‏‏

شعر حارثة أبي زيد عندما فقده

وكان أبوه حارثة قد جزع عليه جزعا شديدا ، وبكى عليه حين فقده ، فقال ‏‏:‏‏

بكيت على زيد ولم أدر ما فعلْ * أحيّ فيرُجى أم أتى دونه الأجلْ

فوالله ما أدرى وإني لسائل * أغالك بعدي السهل أم غالك الجبل

ويا ليت شعري هل لك الدهر أوبة * فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل‏

تذكَّرْنيه الشمس عند طلوعها * وتعرض ذكراه إذا غربها أفل

وإن هبت الأرواح هيجن ذكره * فيا طول ما حزني عليه وما وجل

سأُعمل نص العيس في الأرض جاهدا * ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل

حياتي أو تأتي علي منيتي * فكل امرىء فان وإن غره الأمل

ثم قدم عليه وهو عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ إن شئت فأقم عندي ، وإن شئت فانطلق مع أبيك ، فقال ‏‏:‏‏ بل أقيم عندك ‏‏.‏‏ فلم يزل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله فصدقه وأسلم ، وصلى معه ؛ فلما أنزل الله عز وجل ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ أُدعوهم لآبائهم ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ أنا زيد بن حارثة ‏‏.‏‏

 إسلام أبي بكر الصديق رضي الله عنه وشأنه

  نسبه

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم أسلم أبو بكر بن أبي قحافة ، واسمه عتيق ، واسم أبي قحافة ‏‏:‏‏ عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر ‏‏.‏‏

اسمه ولقبه

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ واسم أبي بكر ‏‏:‏‏ عبدالله ، وعتيق ‏‏:‏‏ لقب لحسن وجهه وعتقه ‏‏.‏‏

إسلامه

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فلما أسلم أبو بكر رضي الله عنه ‏‏:‏‏ أظهر إسلامه ، ودعا إلى الله وإلى رسوله ‏‏.‏‏

إيلاف قريش له ودعوته للإسلام

وكان أبو بكر رجلا مألفا لقومه ، محببا سهلا ، وكان أنسب قريش لقريش ، وأعلم قريش بها ، وبما كان فيها من خير وشر ؛ وكان رجلا تاجرا ، ذا خلق ومعروف ، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر ، لعلمه وتجارته وحسن مجالسته ، فجعل يدعو إلى الله وإلى الإسلام من وثق به من قومه ، ممن يغشاه ويجلس إليه ‏‏.‏‏

 ذكر من أسلم من الصحابة بدعوة أبي بكر رضي الله عنه

إسلام عثمان ، و الزبير و عبدالرحمن و سعد و طلحة

قال فأسلم بدعائه - فيما بلغني - عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية ابن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب ‏‏.‏‏

والزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصي بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤي ‏‏.‏‏

وعبدالرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي ‏‏.‏‏

وسعد بن أبي وقاص ، واسم أبي وقاص ‏‏:‏‏ مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن مرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي ‏‏.‏‏‏

وطلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي ، فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استجابوا له فأسلموا وصلوا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، فيما بلغني ‏‏:‏‏ ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة ، ونظر وتردد ، إلا ما كان من أبي بكر بن أبي قحافة ، ما عكم عنه حين ذكرته له ، وما تردد فيه ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ قوله ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ بدعائه ‏‏)‏‏ عن غير ابن إسحاق ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ قوله ‏‏:‏‏ عكم ‏‏:‏‏ تلبث ‏‏.‏‏ قال رؤبة بن العجاج ‏‏:‏‏

وانصاع وثَّاب بها وما عكم

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا الناس بالإسلام ، فصلوا وصدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما جاءه من الله ‏‏.‏‏

إسلام أبي عبيدة

ثم أسلم أبو عبيدة بن الجراح ، واسمه عامر بن عبدالله بن الجراح بن هلال ابن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر ‏‏.‏‏

إسلام أبي سلمة

وأبو سلمة ، واسمه عبدالله بن عبدالأسد بن هلال بن عبدالله بن عمر ابن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي ‏‏.‏‏

إسلام الأرقم

والأرقم بن أبي الأرقم ‏‏.‏‏ واسم أبي الأرقم عبد مناف بن أسد - وكان أسد يكنى أبا جندب - بن عبدالله بن عمر بن مخزوم بن يقظة ابن مرة بن كعب بن لؤي ‏‏.‏‏

إسلام عثمان بن مظعون وأخويه

وعثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي ‏‏.‏‏ وأخواه قدامة وعبدالله ابنا مظعون بن حبيب ‏‏.‏‏

إسلام عبيدة بن الحارث

وعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤي ‏‏.‏‏

إسلام سعيد بن زيد وامرأته

وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبدالعزى بن عبدالله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي ؛ وامرأته فاطمة بنت الخطاب ابن نفيل بن عبدالعزى بن عبدالله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدي ابن كعب بن لؤي ، أخت عمر بن الخطاب ‏‏.‏‏

إسلام أسماء وعائشة ابنتي أبي بكر ، وخباب بن الأرت

وأسماء بنت أبي بكر ‏‏.‏‏ وعائشة بنت أبي بكر ، وهي يومئذ صغيرة ‏‏.‏‏ وخباب بن الأرت ، حليف بني زهرة ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ خباب بن الأرت من بني تميم ، ويقال ‏‏:‏‏ هو من خزاعة ‏‏.‏‏

إسلام عمير وابن مسعود وابن القاري

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وعمير بن أبي وقاص ، أخو سعد بن أبي وقاص ‏‏.‏‏ وعبدالله بن مسعود بن الحارث بن شمخ بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث ابن تميم بن سعد بن هذيل ‏‏.‏‏ ومسعود بن القاري ، وهو مسعود ابن ربيعة بن عمرو بن سعد بن عبدالعزى بن حمالة بن غالب بن محلم بن عائذة بن سبيع بن الهون بن خزيمة من القارة ‏‏.‏‏

شئ عن القارة

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ والقارة ‏‏:‏‏ لقب لهم ولهم يقال ‏‏:‏‏

قد أنصف القارة من راماها *

وكانوا قوما رماة ‏‏.‏‏

إسلام سليط وأخيه ، وعياش وامرأته ، وخنيس ، وعامر

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وسليط بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر ابن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر ؛ وأخوه حاطب بن عمرو ‏‏.‏‏ وعياش بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي ؛ وامرأته أسماء بنت سلامة بن مخربة التميمية ‏‏.‏‏ وخنيس بن حذافة بن عدي بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي ‏‏.‏‏ وعامر بن ربيعة ، من عنـز بن وائل ، حليف آل الخطاب بن نفيل بن عبدالعزى ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ عنـز بن وائل أخو بكر بن وائل ، من ربيعة بن نزار ‏‏.‏‏

إسلام ابني جحش ، وجعفر وامرأته ، وحاطب وإخوته ونسائهم ، والسائب ، والمطلب وامرأته

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وعبدالله ابن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة ‏‏.‏‏ وأخوه أبو أحمد بن جحش ، حليفا بني أمية بن عبد شمس ‏‏.‏‏

وجعفر بن أبي طالب ؛ وامرأته أسماء بنت عميس بن النعمان بن كعب بن مالك بن قحافة ، من خثعم ، وحاطب بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي ؛ وامرأته فاطمة بنت المجلل بن عبدالله بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر ، وأخوه حطاب بن الحارث ؛ وامرأته فكيهة بنت يسار ‏‏.‏‏

ومعمر بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي ‏‏.‏‏

والسائب بن عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب ‏‏.‏‏

والمطلب بن أزهر بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤي ، وامرأته ‏‏:‏‏ رملة بنت أبي عوف بن صبيرة بن سُعيد بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي ‏‏.‏‏

إسلام نعيم والنحام

و النحام ، واسمه نُعيم بن عبدالله بن أسيد ، أخو بني عدي بن كعب بن لؤي ‏‏.‏‏

نسب نعيم

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ هو نعيم بن عبدالله بن أسيد بن عبد عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي ، وإنما سمي النحام ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال ‏‏:‏‏ لقد سمعت نحْمه في الجنة ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ نحمه ‏‏:‏‏ صوته ‏‏.‏‏ و نحمه ‏‏:‏‏ حسه ‏‏.‏‏

إسلام عامر بن فهيرة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وعامر بن فهيرة ، مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنه ‏‏.‏‏

نسبه

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ عامر بن فُهيرة مولَّد من مولدي الأسد ، أسود اشتراه أبو بكر رضي الله عنه منهم ‏‏.‏‏

إسلام خالد بن سعيد ونسبه وإسلام امرأته أمينة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وخالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن مرة بن كعب بن لؤي ؛ وامرأته أُمينة بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة بن سبيع بن جعثمة بن سعد بن مليح بن عمرو ، من خزاعة ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويقال ‏‏:‏‏ همُينة بنت خلف ‏‏.‏‏

إسلام حاطب وأبي حذيفة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر ابن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر ‏‏.‏‏

وأبو حذيفة ، واسمه مهشم - فيما قال ابن هشام - بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي ‏‏.‏‏

إسلام واقد وشيء من خبره

وواقد بن عبدالله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ، حليف بني عدي بن كعب ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ جاءت به باهلة ، فباعوه من الخطاب بن نفيل ، فتبناه ، فلما أنزل الله تعالى ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ادعوهم لآبائهم ‏‏)‏‏ قال ‏‏:‏‏ أنا واقد بن عبدالله ، فيما قال أبو عمرو المدني ‏‏.‏‏

إسلام بني البكير

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وخالد وعامر وعاقل وإياس بنو البكير بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة حلفاء بني عدي بن كعب ‏‏.‏‏

إسلام عمار بن ياسر حليف بني مخزوم بن يقظة

و عمار بن ياسر ، حليف بني مخزوم بن يقظة ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ عمار بن ياسر عنسي من مذحج ‏‏.‏‏

إسلام صهيب

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ و صهيب بن سنان ، أحد النمر بن قاسط ، حليف بني تميم بن مرة ‏‏.‏‏

نسب صهيب

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار ، ويقال ‏‏:‏‏ أفصى بن دُعْميّ بن جديلة بن أسد ؛ ويقال ‏‏:‏‏ صهيب ‏‏:‏‏ مولى عبدالله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم ، ويقال ‏‏:‏‏ إنه رومي ‏‏.‏‏

فقال بعض من ذكر أنه من النمر بن قاسط ، إنما كان أسيرا في أرض الروم ، فاشتُري منهم ‏‏.‏‏ وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم ‏‏:‏‏ صهيب سابق الروم ‏‏.‏‏ ‏

 مباداة رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه ، وما كان منهم

 أمر الله له صلى الله عليه وسلم بمباداة قومه

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم دخل الناس في الإسلام أرسالا من الرجال والنساء ، حتى فشا ذكر الإسلام بمكة ، وتحدث به ‏‏.‏‏ ثم إن الله عز وجل أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يصدع بما جاءه منه ، وأن يبادي الناس بأمره ، وأن يدعو إليه ؛ وكان بين ما أخفى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره واستتر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه ثلاث سنين - فيما بلغني - من مبعثه ؛ ثم قال الله تعالى له ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ فاصدع بما تؤمر ، وأعرض عن المشركين ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ وقال تعالى ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ وأنذر عشيرتك الأقربين ‏‏.‏‏ واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏

 معنى اصدع بما تؤمر

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ اصدع ‏‏:‏‏ افرق بين الحق والباطل ‏‏.‏‏

قال أبو ذؤيب الهذلي ، واسمه خويلد بن خالد ، يصف أُتن وحش وفحلها ‏‏:‏‏

وكأنهن ربابة وكأنه * يَسَر يُفيض على القداح ويصدعُ

أي يفرق على القداح ويبين أنصباءها ‏‏.‏‏ وهذا البيت في قصيدة له ‏‏.‏‏

وقال رؤبة بن العجاج ‏‏:‏‏

أنت الحليم والأمير المنتقم * تصدع بالحق وتنفي من ظلمْ

وهذان البيتان في أرجوزة له ‏‏.‏‏

خروج الرسول صلى الله عليه وسلم بأصحابه للصلاة في الشعب

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا ، ذهبوا في الشعاب ، فاستخفوا بصلاتهم من قومهم ، فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعب من شعاب مكة ، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون ، فناكروهم ، وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم ، فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلا من المشركين بِلَحْي بعير ، فشجه ، فكان أول دم هُريق في الإسلام ‏‏.‏‏

 عداوة قومه له صلى الله عليه و سلم ، ومساندة أبي طالب له

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فلما بادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله ، لم يبعد منه قومه ، ولم يردوا عليه - فيما بلغني - حتى ذكر آلهتهم وعابها ؛ فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه ، وأجمعوا خلافه وعداوته ، إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام ، وهم قليل مستخفون ، وحدب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمُّه أبو طالب ، ومنعه وقام دونه ، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله ، مظهرا لأمره ، لا يرده عنه شيء ‏‏.‏‏

فلما رأت قريش ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه ، من فراقهم وعيب آلهتهم ، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه ، وقام دونه ، فلم يسلمه لهم ، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب ، عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب ‏‏.‏‏ وأبو سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ واسم أبي سفيان ‏‏:‏‏ صخر ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وأبو البختري ، و اسمه العاص بن هشام بن الحارث ابن أسد بن عبدالعزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ أبو البختري ‏‏:‏‏ العاص بن هاشم ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ والأسود بن المطلب بن أسد بن عبدالعزى بن قصي ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي ‏‏.‏‏ وأبو جهل - واسمه عمرو ، وكان يكنى أبا الحكم - بن هشام بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي ‏‏.‏‏ والوليد بن المغيرة بن عبدالله ابن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي ‏‏.‏‏ و نُبيه ومنبه ابنا الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي ‏‏.‏‏ والعاص بن وائل ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ العاص بن وائل بن هاشم بن سُعيد بن سهم بن عمرو بن هُصيص بن كعب بن لؤي ‏‏.‏‏

 وفد قريش يعاتب أبا طالب في شأن الرسول الله صلى الله عليه و سلم

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ أو من مشى منهم ‏‏.‏‏ فقالوا ‏‏:‏‏ يا أبا طالب ، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا ، وعاب ديننا ، وسفه أحلامنا ، وضلل آباءنا ؛ فإما أن تكفه عنا ، وإما أن تخلي بيننا وبينه ، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه ، فنكفيكه ؛ فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا ، وردهم ردا جميلا ، فانصرفوا عنه ‏‏.‏‏

 الرسول صلى الله عليه وسلم يستمر في دعوته

ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على هو عليه ، يظهر دين الله ، ويدعو إليه ، ثم شرى الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال وتضاغنوا ، وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها ، فتذامروا فيه ، وحض بعضهم بعضا عليه ‏‏.‏‏

رجوع الوفد إلى أبي طالب مرة ثانية

ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى ، فقالوا له ‏‏:‏‏ يا أبا طالب ، إن لك سنا وشرفا ومنـزلة فينا ، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا ، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آباءنا ، وتسفيه أحلامنا ، وعيب آلهتنا ، حتى تكفه عنا ، أو ننازله وإياك في ذلك ، حتى يهلك أحد الفريقين ، أوكما قالوا له ‏‏.‏‏ ثم انصرفوا عنه ، فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم ، ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ولا خذلانه ‏‏.‏‏

ما دار بين الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي طالب

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حُدث ‏‏:‏‏ أن قريشا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة ، بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له ‏‏:‏‏ يا ابن أخي ، إن قومك قد جاءوني ، فقالوا لي كذا وكذا ، للذي كانوا قالوا له ، فأبقِ علي وعلى نفسك ، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق ؛ قال ‏‏:‏‏ فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بداء أنه خاذله ومسلمه ، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ يا عم ، والله لو وضعوا الشمس في يميني ، و القمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله ، أو أهلك فيه ، ما تركته ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبكى ثم قام ؛ فلما ولى ناداه أبو طالب ، فقال ‏‏:‏‏ أقبل يا ابن أخي ؛ قال ‏‏:‏‏ فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال ‏‏:‏‏ اذهب يا بن أخي ، فقل ما أحببت ، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا ‏‏.‏‏

 قريش تعرض عمارة بن الوليد المخزومي على أبي طالب

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم وإسلامه ، وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم ، مشوا إليه بعُمارة بن الوليد بن المغيرة ، فقالوا له - فيما بلغني - ‏‏:‏‏ يا أبا طالب ، هذا عمارة بن الوليد ، أنهد فتى في قريش وأجمله ، فخذه فلك عقله ونصره ، واتخذه ولدا فهو لك ، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا ، الذي قد خالف دينك ودين آبائك ، وفرق جماعة قومك ، وسفه أحلامهم ، فنقتله ، فإنما هو رجل برجل ؛ فقال ‏‏:‏‏ والله لبئس ما تسومونني ‏‏!‏‏ أتعطونني ابنكم أغذوه لكم ، وأعطيكم ابني تقتلونه ‏‏!‏‏ هذا والله ما لا يكون ابدا ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي ‏‏:‏‏ و الله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك ، وجهدوا على التخلص مما تكرهه ، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا ؛ فقال أبو طالب للمطعم ‏‏:‏‏ والله ما أنصفوني ، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظارهة القوم علي ، فاصنع ما بدا لك ، أو كما قال ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فحقب الأمر ، وحميت الحرب ، وتنابذ القوم ، وبادى بعضهم بعضا ‏‏.‏‏

شعر أبي طالب في التعريض بالمطعم ومن خذله من عبد مناف

فقال أبو طالب عند ذلك ، يعرض بالمطعم بن عدي ، ويُعم من خذله من بني عبد مناف ، ومن عاداه من قبائل قريش ، ويذكر ما سألوه ، وما تباعد من أمرهم ‏‏:‏‏

ألا قل لعمرو والوليد ومطعم * ألا ليت حظي من حياطتكم بكْرُ

من الخور حبحاب كثير رُغاؤه * يُرش على الساقين من بوله قطر

تخلف خلف الوِرْد ليس بلاحق * إذا ما علا الفيفاء قيل له وبر

أرى أخوينا من أبينا وأمنا * إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر

بلى لهما أمر ولكن تجرجما * كما جُرجمت من رأس ذي علق الصخر

أخص خصوصا عبد شمس ونوفلا * هما نبذانا مثل ما يُنبذ الجمر

هما أغمزا للقوم في أخويهما * فقد أصبحا منهم أكفهما صِفْرُ

هما أشركا في المجد من لا أبا له * من الناس إلا أن يُرس له ذكر

وتيم ومخزوم وزُهرة منهمُ * وكانوا لنا مولى إذا بُغي النصر

فوالله لا تنفك منا عداوة * ولا منهمُ ما كان من نسلنا شفر

فقد سفهت أحلامهم وعقولهم * وكانوا كجفر بئس ما صنعت جفر

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ تركنا منها بيتين أقذع فيهما ‏‏.‏‏

 قريش تظهر عداوتها للمسلمين

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من في القبائل منهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أسلموا معه ، فوثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذبونهم ، ويفتنونهم عن دينهم ، ومنع الله رسوله صلى الله عليه وسلم منهم بعمه أبي طالب ، وقد قام أبو طالب ، حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون في بني هاشم وبني المطلب ، فدعاهم إلى ما هو عليه ، من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والقيام دونه ؛ فاجتمعوا إليه ، وقاموا معه ، وأجابوه إلى ما دعاهم إليه ، إلا ما كان من أبي لهب ، عدو الله الملعون ‏‏.‏‏

شعر أبي طالب في مدح قومه لنصرته

فلما رأى أبو طالب من قومه ما سره في جهدهم معه ، وحدبهم عليه ، جعل يمدحهم ويذكر قديمهم ، ويذكر فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ، ومكانه منهم ، ليشد لهم رأيهم ، وليحدبوا معه على أمره ، فقال ‏‏:‏‏

إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر * فعبد مناف سرها وصميمها

وإن حُصّلت أشراف عبد منافها * ففي هاشم أشرافها وقديمها

وإن فخرت يوما فإن محمدا * هو المصطفى من سرها وكريمها

تداعت قريش غثها وسمينها * علينا فلم تظفر وطاشت حلومها

وكنا قديما لا نقر ظُلامة إذا * ما ثنوا صُعْر الخدود نُقيمها

ونحمي حماها كل يوم كريهة * ونضرب عن أجحارها من يرومها

بنا انتعش العود الذَّوَاء وإنما * بأكنافنا تندى وتنمى أرومها ‏

منقول للفائدة من المكتبه الاسلاميه من وقع نداء الايمان