الرجوع الى الرئيسية>>>

سعي الرسول إلى الطائف يطلب النصرة ، وموقف ثقيف منه

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ولما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تنال منه في حياة عمه أبي طالب ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ، يلتمس النصرة من ثقيف ، والمنعة بهم من قومه ، ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله عز وجل ، فخرج إليهم وحده ‏‏.‏‏

 الثلاثة الذين نزل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشرافهم ، و تحريضهم عليه

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فحدثني يزيد بن زياد ، عن محمد بن كعب القرظي ، قال ‏‏:‏‏ لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ، عمد إلى نفر من ثقيف ، هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم ، وهم إخوة ثلاثة ‏‏:‏‏ عبد ياليل بن عمرو بن عمير ، ومسعود بن عمرو بن عمير ، وحبيب بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف ، وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح ، فجلس إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعاهم إلى الله ، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام ، والقيام معه على من خالفه من قومه ؛ فقال له أحدهم ‏‏:‏‏ هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك ؛ وقال الآخر ‏‏:‏‏ أما وجد الله أحدا يرسله غيرك ‏‏!‏‏ وقال الثالث ‏‏:‏‏ والله لا أكلمك أبدا ‏‏.‏‏ لئن كنت رسولا من الله كما تقول ، لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ، ولئن كنت تكذب على الله ، ما ينبغي لي أن أكلمك ‏‏.‏‏ فقام رسول الله صلى عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف ، وقد قال لهم - فيما ذكر لي - ‏‏:‏‏ إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني ، وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغَ قومَه عنه ، فيُذْئِرهم ذلك عليه ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ قال عبيد بن الأبرص ‏‏:‏‏

ولقد أتاني عن تميم أنهم * ذَئِروا لقتلى عامر وتعصبوا

فلم يفعلوا ، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم ، يسبونه ويصيحون به ، حتى اجتمع عليه الناس ، وألجئوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ، وهما فيه ، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه ، فعمد ‏ إلى ظل حَبَلة من عنب ، فجلس فيه ‏‏.‏‏ وابنا ربيعة ينظران إليه ، ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف ، وقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر لي - المرأة التي من بني جمح ، فقال لها ‏‏:‏‏ ماذا لقينا من أحمائك ‏‏؟‏‏

 شكواه صلى الله عليه وسلم إليه تعالى

فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - فيما ذكر لي - اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي ، إلى من تكلني ‏‏؟‏‏ إلى بعيد يتجهمني ‏‏؟‏‏ أم إلى عدو ملكته أمري ‏‏؟‏‏ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنـزل بي غضبك ، أو يحل علي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك ‏‏.‏‏

 قصته صلى الله عليه وسلم مع عداس النصراني

قال ‏‏:‏‏ فلما رآه ابنا ربيعة ، عتبة وشيبة ، وما لقي ، تحركت له رحمهما ، فدعوا غلاما لهما نصرانيا ، يقال له عداس ، فقالا له ‏‏:‏‏ خذ قطفا من هذا العنب ، فضعه في هذا الطبق ، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل ، فقل له يأكل منه ‏‏.‏‏

ففعل عداس ، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال له ‏‏:‏‏ كل ، فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يده ، قال ‏‏:‏‏ باسم الله ، ثم أكل ، فنظر عداس في وجهه ، ثم قال ‏‏:‏‏ والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس ، وما دينك ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ نصراني ، وأنا رجل من أهل نينوى ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ من قرية الرجل الصالح يونس بن متى ؛ فقال له عداس ‏‏:‏‏ وما يدريك ما يونس بن متى ‏‏؟‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ ذاك أخي ، كان نبيا وأنا نبي ، فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه ‏‏:‏‏ أما غلامك فقد أفسده عليك ‏‏.‏‏ فلما جاءهما عداس ، قالا له ‏‏:‏‏ ويلك يا عداس ‏‏!‏‏ ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ يا سيدي ما في الأرض شيء خير من هذا ، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي ؛ قالا له ‏‏:‏‏ ويحك يا عداس ، لا يصرفنك عن دينك ، فإن دينك خير من دينه ‏‏.‏‏

 وفد جن نصيبين الذين استمعوا له و آمنوا به

قال ‏‏:‏‏ ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من الطائف راجعا إلى مكة ، حين يئس من خير ثقيف ، حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي ، فمر به النفر من الجن الذين ذكرهم الله تبارك وتعالى ، وهم - فيما ذكر لي - سبعة نفر من جن أهل نصيبين ، فاستمعوا له ؛ فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين ، قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا ‏‏.‏‏

فقص الله خبرهم عليه صلى الله عليه وسلم ، قال الله عز وجل ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏‏‏.‏‏‏‏.‏‏ إلى قوله تعالى ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ويجركم من عذاب أليم ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ وقال تبارك وتعالى ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏‏‏.‏‏‏‏.‏‏ إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة ‏‏.‏‏

عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل

 عرض الرسول صلى الله عليه و سلم نفسه على العرب في مواسمهم

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه ، إلا قليلا مستضعفين ، ممن آمن به ‏‏.‏‏

فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في المواسم ، إذا كانت ، على قبائل العرب يدعوهم إلى الله ، ويخبرهم أنه نبي مرسل ، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين لهم الله ما بعثه به ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فحدثني من أصحابنا ، من لا أتهم ، عن زيد بن أسلم ، عن ربيعة بن عباد الديلي ، - أو من حدثه أبو الزناد عنه - قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ربيعة بن عباد ‏‏.‏‏

 أبو لهب يفرق الناس من حوله صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني حسين بن عبدالله بن عبيد الله بن عباس ، قال ‏‏:‏‏ سمعت ربيعة بن عباد ، يحدثه أبي ، قال ‏‏:‏‏ إني لغلام شاب مع أبي بمنى ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على منازل القبائل من العرب ، فيقول ‏‏:‏‏ يا بني فلان ، إني رسول الله إليكم ، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد ، وأن تؤمنوا بي ، وتصدقوا بي ، وتمنعوني ، حتى أُبين عن الله ما بعثني به ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ وخلفه رجل أحول وضيء ، له غديرتان ، عليه حلة عدنية ‏‏.‏‏ فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وما دعا إليه ، قال ذلك الرجل ‏‏:‏‏ يا بني فلان ، إن هذا إنما يدعوكم أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم ، وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش ، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة ، فلا تطيعوه ، ولا تسمعوا منه ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فقلت لأبي ‏‏:‏‏ يا أبت ، من هذا الذي يتبعه ويرد عليه ما يقول ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ هذا عمه عبدالعزى بن عبدالمطلب ، أبو لهب ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ قال النابغة ‏‏:‏‏

كأنك من جمال بني أقيش * يُقعقع خلف رجليه بشنّ

 عرضه صلى الله عليه وسلم نفسه على كندة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ حدثنا ابن شهاب الزهري ‏‏:‏‏ أنه أتى كندة في منازلهم ، وفيهم سيد لهم يقال له ‏‏:‏‏ مُليح ، فدعاهم إلى الله عز وجل ، وعرض عليهم نفسه ، فأبوا عليه ‏‏.‏‏

 عرضه صلى الله عليه وسلم نفسه على بني كلب

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني محمد بن عبدالرحمن بن عبدالله بن حصين ‏‏:‏‏ أنه أتى كلبا في منازلهم ، إلى بطن منهم يقال لهم ‏‏:‏‏ بنو عبدالله ، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه ، حتى إنه ليقول لهم ‏‏:‏‏ يا بني عبدالله ، إن الله عز وجل قد أحسن اسم أبيكم ، فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم ‏‏.‏‏

 عرضه صلى الله عليه وسلم نفسه على بني حنيفة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني بعض أصحابنا عن عبدالله بن كعب بن مالك ‏‏:‏‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني حنيفة في منازلهم ، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه ، فلم يكن أحد من العرب أقبح عليهم ردا منهم ‏‏.‏‏ ‏

 عرضه صلى الله عليه وسلم نفسه على بني عامر

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني الزهري أنه أتى بني عامر بن صعصعة ، فدعاهم إلى الله عز وجل ، وعرض عليهم نفسه ، فقال رجل منهم - يقال له ‏‏:‏‏ بَيْحرة بن فراس ‏‏.‏‏ قال ابن هشام ‏‏:‏‏ فراس بن عبدالله بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة - ‏‏:‏‏ والله ، لو أني أخذت هذا الفتى من قريش ، لأكلت به العرب ، ثم قال ‏‏:‏‏ أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ، ثم أظهرك الله على من خالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء ؛ قال ‏‏:‏‏ فقال له ‏‏:‏‏ أفتُهدف نحورنا للعرب دونك ، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا ‏‏!‏‏ لا حاجة لنا بأمرك ؛ فأبوا عليه ‏‏.‏‏

فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم ، قد كانت أدركته السن ، حتى لا يقدر أن يُوافي معهم المواسم ، فكانوا إذا رجعوا اليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم ؛ فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم ، فقالوا ‏‏:‏‏ جاءنا فتى من قريش ، ثم أحد بني عبدالمطلب ، يزعم أنه نبي ، يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ، ونخرج به إلى بلادنا ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فوضع الشيخ يديه على رأسه ثم قال ‏‏:‏‏ يا بني عامر ، هل لها من تلاف ، هل لذُناباها من مطلب ، والذي نفس فلان بيده ، ما تقولها إسماعيلي قط ، وإنها لحق ، فأين رأيكم كان عنكم ‏‏.‏‏ ‏

 عرضه الرسول نفسه على العرب في المواسم

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك من أمره ، كلما اجتمع له الناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله وإلى الإسلام ، ويعرض عليهم نفسه ، وما جاء به من الله من الهدى والرحمة ، وهو لا يسمع بقادم يقدم مكة من العرب ، له اسم وشرف ، إلا تصدى له ، فدعا إلى الله ، وعرض عليه ما عنده ‏‏.‏‏

 عرضه صلى الله عليه وسلم نفسه على سويد بن صامت

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري ، ثم الظفري عن أشياخ من قومه ، قالوا ‏‏:‏‏

قدم سويد بن صامت ، أخو بني عمرو بن عوف ، مكة حاجا أو معتمرا ، وكان سويد إنما يسميه قومه فيهم ‏‏:‏‏ الكامل ، لجلده وشعره وشرفه ونسبه ، وهو الذي يقول ‏‏:‏‏

ألا رب من تدعو صديقا ولو ترى * مقالته بالغيب ساءك ما يفري

مقالته كالشهد ما كان شاهدا * وبالغيب مأثور على ثُغْرة النحر

يسرك باديه وتحت أديمه * نميمة غش تبتري عقب الظهر

تُبين لك العينان ما هو كاتم * من الغل والبغضاء بالنظر الشزر

فَرِشْني بخير طالما قد بريتني * فخير الموالي من يريش ولا يبري

وهو الذي يقول ‏‏:‏‏ ونافر رجلا من بني سليم ، ثم أحد بني زِعب بن مالك على مائة ناقة ، إلى كاهنة من كهان العرب ، فقضت له ‏‏.‏‏ فانصرف عنها هو والسلمي ، ليس معهما غيرها ، فلما فرقت بينهما الطريق ، قال ‏‏:‏‏ مالي ، يا أخا بني سليم ، قال ‏‏:‏‏ أبعث إليك به ؛ قال ‏‏:‏‏ فمن لي بذلك إذا فُتَّني به ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ كلا ، والذي نفس سويد بيده ، لا تفارقنـِّي حتى أُوتَى بمالي ، فاتخذا فضرب به الأرض ، ثم أوثقه رباطا ، ثم انطلق به إلى دار بني عمرو بن عوف ، فلم يزل عنده حتى بعثت إليه سليم بالذي له ، فقال في ذلك ‏‏:‏‏

لا تحسبنـِّي يا ابن زغب بن مالك * كمن كنت تُردي بالغيوب وتختلُ

تحولت قِرنا إذ صُرعت بعزة * كذلك إن الحازم المتحول

ضربت به إبط الشمال فلم يزل * على كل حال خده هو أسفل

في أشعار كثيرة كان يقولها ‏‏.‏‏

فتصدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به ، فدعاه إلى الله وإلى الإسلام ، فقال له سويد ‏‏:‏‏ فلعل الذي معك مثل الذي معي ؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ وما الذي معك ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ مجلة لقمان - يعني حكمة لقمان - فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ اعرضها علي ، فعرضها عليه ؛ فقال له ‏‏:‏‏ إن هذا لكلام حسن ، والذي معي أفضل من هذا ، قرآن أنزله الله تعالى علي ، هو هدى ونور ‏‏.‏‏

فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ، ودعاه إلى الإسلام ، فلم يبعد منه ، وقال ‏‏:‏‏ إن هذا لقول حسن ‏‏.‏‏ ‏ثم انصرف عنه ، فقدم المدينة على قومه ، فلم يلبث أن قتلته الخزرج ، فإن كان رجال من قومه ليقولون ‏‏:‏‏ إنا لنراه قد قُتل وهو مسلم ‏‏.‏‏ وكان قتله قبل يوم بعاث ‏‏.‏‏

 إسلام إياس بن معاذ وقصة أبي الحيسر

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني الحصين بن عبدالرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ ، عن محمود بن لبيد ، قال ‏‏:‏‏ لما قدم أبو الحَيْسر ، أنس بن رافع ، مكة ومعه فتية من بني عبدالأشهل ، فيهم إياس بن معاذ ، يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج ، سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتاهم فجلس إليهم ، فقال لهم ‏‏:‏‏ هل لكم في خير مما جئتم له ‏‏؟‏‏ فقالوا له ‏‏:‏‏ وما ذاك ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ أنا رسول الله بعثني إلى العباد ، أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا ، وأنزل علي الكتاب ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ ثم ذكر لهم الإسلام ، وتلا عليهم القرآن ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فقال إياس بن معاذ ، وكان غلاما حدثا ‏‏:‏‏ أي قوم ، وهذا والله خير مما جئتم له ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فيأخذ أبو الحيسر ، أنس بن رافع ، حفنة من تراب البطحاء ، فضرب بها وجه إياس بن معاذ ، وقال ‏‏:‏‏ دعنا منك ، فلعمري لقد جئنا لغير هذا ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فصمت إياس ، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم ، وانصرفوا إلى المدينة ، وكانت وقعة بُعاث بين الأوس والخزرج ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك ‏‏.‏‏ قال محمود بن لبيد ‏‏:‏‏ فأخبرني من حضره من قومه عند موته ‏‏:‏‏ أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل ‏الله تعالى ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات ، فما كانوا يشكون أن قد مات مسلما ، لقد كان استشعر الإسلام في ذلك المجلس ، حين سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع ‏‏.‏‏

 بدء إسلام الأنصار

 اجتماعه صلى الله عليه وسلم بوفد من الخزرج عند العقبة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فلما أراد الله عز وجل إظهار دينه ، وإعزاز نبيه صلى الله عليه وسلم ، وإنجاز موعده له ، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار ، فعرض نفسه على قبائل العرب ، كما كان يصنع في كل موسم ‏‏.‏‏ فبينما هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، عن أشياخ من قومه ، قالوا ‏‏:‏‏ لما لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال لهم ‏‏:‏‏ من أنتم ‏‏؟‏‏ قالوا ‏‏:‏‏ نفر من الخزرج ، قال ‏‏:‏‏ أمن موالي يهود ‏‏؟‏‏ قالوا ‏‏:‏‏ نعم ؛ قال ‏‏:‏‏ أفلا‏ تجلسون أكلمكم ‏‏؟‏‏ قالوا ‏‏:‏‏ بلى ‏‏.‏‏

فجلسوا معه ، فدعاهم إلى الله عز وجل ، وعرض عليهم الإسلام ، وتلا عليهم القرآن ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام ، أن يهود كانوا معهم في بلادهم ، وكانوا أهل كتاب وعلم ، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان ، وكانوا قد غزوهم ببلادهم ، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم ‏‏:‏‏ إن نبيا مبعوث الآن ، قد أظل زمانه ، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم ‏‏.‏‏

فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ، ودعاهم إلى الله ، قال بعضهم لبعض ‏‏:‏‏ يا قوم ، تعلموا والله إنه للنبي توعدكم به يهود ، فلا تسبقنكم إليه ‏‏.‏‏ فأجابوه فيما دعاهم إليه ، بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام ، وقالوا ‏‏:‏‏ إنا قد تركنا قومنا ، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم ، فعسى أن يجمعهم الله بك ، فسنقدم عليهم ، فندعوهم إلى أمرك ، وتعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين ، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك ‏‏.‏‏

ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم ، وقد آمنوا وصدقوا ‏‏.‏‏

أسماء من التقوا به صلى الله عليه وسلم من الخزرج عند العقبة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وهم - فيما ذكر لي - ‏‏:‏‏ ستة نفر من الخزرج ، منهم من بني النجار - وهو تيم الله - ثم من بني مالك بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة بن عمرو بن عامر ‏‏:‏‏ أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار ، وهو أبو أمامة ؛ وعوف بن الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار ، وهو ابن عفراء ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وعفراء بنت عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ومن بني زريق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج ‏‏:‏‏ رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويقال ‏‏:‏‏ عامر بن الأزرق ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ومن بني سَلِمة بن سعد بن علي بن ساردة بن تزيد ابن جشم بن الخزرج ، ثم من بني سواد بن غنم بن كعب بن سلمة ‏‏:‏‏ قطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن غنم بن سواد ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ عمرو بن سواد ، وليس لسواد ابن يقال له ‏‏:‏‏ غنم ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ومن بني حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة ‏‏:‏‏ عقبة بن عامر بن نابي بن زيد بن حرام ‏‏.‏‏

ومن بني عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة ‏‏:‏‏ جابر بن عبدالله ابن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد ‏‏.‏‏

فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم ، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏.‏‏