صفحة صاحبة السمو الملكي الاميره فهدة بنت سعود بن عبدالعزيزال سعود

من أقوالها

هموم المرأة السعودية

فهدة بنت سعود بن عبدالعزيز     الحياة     - 07/02/07//

لم تتعرض المرأة العربية والمسلمة عموماً والسعودية خصوصاً في تاريخها الحديث والقديم، لهذا الكم الهائل من التسلط وتسليط الضوء عليها والاهتمام المتزايد بحقوقها، كما يحدث الآن على جميع الأصعدة الداخلية والخارجية، وفي أدق تفاصيل حياتها اليومية، حتى بدت كأنها المحور الوحيد لنهضة الأمة في أزمتها الراهنة. وهذا أمر يدعو للتفاؤل اذا كان هذا هو السبب لهذه الحملة المركزة! 

بالفعل، هناك الكثير من الأمور الخاصة بحقوق المرأة تستدعي المراجعة ورد الاعتبار لهذا المخلوق اللطيف، الذي يبدو أنه بدأ يفقد هذه الخصوصية الإلهية والتحول الى تركيبة مصنعة، ابتداءً من تغيير الملامح الخارجية وانتهاءً بفقدان التوازن الداخلي.
قبل الإسلام عانت المرأة من انتهاك حقوقها الإنسانية، وبظهوره حصلت على حقوقها كاملة، وعرّفها بما لها وما عليها، ليعيد التوازن الاجتماعي الذي خُلق من أجله البشر ليعيشوا في سعادة (أبدية).

هذا التشريع أعطاها قوة (ولكنها ليست خارقة) مثل ما هو مطلوب منها الآن، ولكنه في الوقت ذاته لم يسلب من الرجل قوته، بل زكاها باحترامه لخصوصية المرأة، فبقي الرجل محتفظاً بمقومات فطرته. وكذلك المرأة، ما عزز التقارب والتفاهم بين الجنسين، وأبدع كل منهما في إثراء الحضارة الإسلامية في الشعر والأدب والعلوم المختلفة، مع المحافظة على الأدوار الطبيعية لتركيبة الأسرة التي هي النواة التي حافظت عليها الأجيال من بعد ذلك، حتى في أحلك ظروف زمن الحروب والاستعمار عبر قرون طويلة، تبدلت خلالها معالم كثيرة في تركيبة ومفاهيم المجتمع العربي المسلم، ماعدا النظام الأسري الذي بقي مدعاة فخر واعتزاز ورعاية حتى فترة قصيرة. فقوانين الأسرة عبر الزمن هي التي اختزلت نواميس المجتمع ككل وحددت ملامحه، فعندما كانت علاقة أفراد الأسرة تعتمد على التوازن في الواجبات والمسؤوليات، أفرزت مجتمعاً قلّت فيه ظواهر الأمراض النفسية والاجتماعية. وكانت هذه سمة المجتمع السعودي التي انبثقت من النظام القبلي وحددت ملامح العلاقة الاجتماعية والاقتصادية بين أفراده، فكل شيء في حساب المجتمع من ترابه، وكل شيء في سلوكه من تراثه، لذلك كانوا أجيالاً منتجة، لأنهم كانوا يعيشون فقط ممّا يصنعون، حتى لو كان لباس خام وطعام قمح. وكانت المرأة جزءاً لا يتجزأ من نظامه، لأنها كانت فرداً منتجاً وركيزة قوية في الأسرة والقبيلة، وكانت واعيةً بحقوقها ضمن هذا الإطار الذي كفل لها الحماية والاحترام والرعاية من المهد الى اللحد. وكانت همومها محصورة في الإسهام في إيجاد المرعى والمأكل والماء والملبس لجميع أفراد القبيلة، وفي المقابل وفر المجتمع لها الحماية المتمثلة في الولي، خصوصاً للمطلقة والأرملة والمسنة، لأنه كان من العار التخلي عن أفراد القبيلة رجالاً كانوا أم نساء.

استمرت هذه الصفات القبلية سائدة في المجتمع السعودي بعد التوحيد والاستقرار وإنشاء الدولة السعودية، الذي كان متزامناً مع اكتشاف النفط، ولكن أصبح التحكيم في قضايا الأفراد الشرعية للدولة التي تحكم بالشريعة الاسلامية، ما جعل حماية الفرد من مسؤولية الدولة بدلاً من القبيلة. فبدأت عملية التطوير بالاهتمام من الدولة بتعليم الرجل وفتح المزيد من المدارس وتعميمها، بعد أن كانت محصورة في جهود فردية في الحجاز ونجد. أما المرأة فكان نصيبها من التعليم ضئيلاً جداً، إذ إن بداياته كانت في الحجاز في المدارس الأهلية قبل توحيد الجزيرة (أربع في مكة المكرمة، وخمس في جدة، وواحدة في المدينة المنورة)، وأشهرها كانت مدارس الزهراء في جدة، تلاها إنشاء "مدرسة الفتاة الأهلية" عام1947، ثم النصيفية عام 1950. وفي عام 1951 افتتح ولي العهد الأمير سعود بن عبدالعزيز أول مدرسة للبنات في نجد، هي مدرسة الكريمات في الرياض، وبدأها بتعليم بناته ليشجع الأهالي على تعليم بناتهم، وأصبحت في ما بعد مدرسة نموذجية، وأول مدرسة تقدم التعليم الثانوي على نطاق المملكة حتى عام 1970، تلا ذلك افتتاح بنات الملك سعود مبرة الكريمات عام 1956، ومبرة الملك عبدالعزيز التي افتتحها الأمير طلال بن عبدالعزيز عام 1956، وبسبب عدم استيعاب هذه المدارس أعداداً أكبر من الطالبات الراغبات في الدراسة في الرياض، اضطر الأهالي إلى إرسال بناتهم الى مصر للتعلم، فقدموا طلباً للملك سعود لفتح مزيد من المدارس للبنات، واستجابة لذلك أمر بإنشاء الرئاسة العامة لتعليم البنات عام 1960، وأسند إدارة هذا المرفق لهيئة من كبار العلماء برئاسة الشيخ محمد بن ابراهيم آل الشيخ، فأسست فروعاً لها في جميع أرجاء المملكة، ووقف الملك سعود في وجه جميع الاعتراضات التي واجهت قراره.

منذ ذلك الوقت بدأ وضع المرأة في التغير، وبدأت الخروج من المنزل للعلم والعمل المحدد في مجالات معينة، تلائم المرحلة وتطلعات المجتمع لعمل المرأة ودورها. فظهرت مجموعة من النساء الرائدات في العمل، في طليعتهن بنات الملك سعود اللاتي عملن في إدارة مبرة كريمات الملك سعود، وبرزت الكاتبات والشاعرات فكتبن في الصحف تحت أسماء مستعارة، لأن إعلان أسمائهن كان أمراً غير مستحب في المجتمع المحافظ، وبرزت العديد من المعلمات السعوديات في المدارس، بعد أن كانت مهنة التدريس تقتصر على سيدات من مصر وفلسطين وسورية.

وعند تأسيس وزارتي العمل والشؤون الاجتماعية في عهد الملك سعود عام 1960، قامت الوزارة بالتعاون مع وزارات الصحة والمعارف والزراعة بتبني مشروع ضخم وهو مشروع مركز تنمية المجتمع المحلي في الريف والمدن وأُنشئ 16 مركزاً عام 1960، وأسهمت المرأة في هذه المراكز بنشاطات محو الأمية وتغيير اتجاهات المجتمع نحو التعليم الفتيات وتدعيم احترام العمل اليدوي والاعتراف بأهمية المشاركة والإسهام في التطوير الاجتماعي.

ولبروز دور المرأة من خلال الجمعيات التعاونية، قامت بإنشاء الجمعيات التعاونية النسائية وقمن بتدريب الفتيات ثم أسهمن في دراسة حالات الأسر الفقيرة وتقديم المساعدة لهم. وتحولت بعض الجمعيات التعاونية النسائية في ما بعد الى جمعيات نسائية خيرية. وذلك يدل على أن بداية اهتمامات المرأة كانت موجهة لمحو الأمية بين النساء ومساعدة الأسر الفقيرة ونشر الوعي، وكانت هموماً تنحصر في التعليم والعمل ضمن إطار لايخل بالأسرة، وساد المجتمع فكرة القبول بتعليم المرأة وعملها طالما أن ذلك يقع ضمن إطار الدين والأعراف، واستمر في الوقت ذاته التكافل الاجتماعي وعدم اعتماد الأسرة على عمل المرأة لأن ذلك كان يشكل عيباً اجتماعياً ما ساعد في تدعيم الأسرة وتقويتها.

 ومع ازدياد دخل الفرد خلال فترة الطفرة - التي لم يكن هنالك وعي بأخطارها وأبعادها ومفاهيمها - وتطور المجتمع وحاجاته وتزايد النزوح من القرية الى المدينة لتلقي التعليم وفرص العمل، تبدلت معه الكثير من المفاهيم كالرعاية الأسرية والقوامة المادية الكاملة للرجل، فأصبح الرجل يعتمد في بعض الأحيان على المرأة العاملة، وابتدأت العديد من التغييرات الاجتماعية تنتشر بسبب إزدياد دخل الفرد وانتشار مفاهيم لاتواكب البيئة الاجتماعية المحلية بسبب التأثيرات التي دخلت مع العمالة الأجنبية داخل الأسرة التقليدية التي تفتقر الى الوعي في أهمية المحافظة على القيم الاسلامية المتوارثة، ما سبب خللاً مخيفاً داخل الأسرة التي تباعد أفرادها بسبب الانشغال في الحياة اليومية التي أصبحت تعتمد على الماديات وظهور الأنماط الاستهلاكية المتعددة في داخل المجتمع، فأُهملت جوانب مهمة كتأهيل الفرد ليكون منتجاً ويحقق الاكتفاء الذاتي، وفي الوقت ذاته اكتسب الفرد بعض سمات المجتمعات الاستهلاكية السلبية التي تستهلك ما يصنعه الغير. وظهر تأثير ذلك بأن فقد الفرد والمجتمع الكثير من القيم. ولم تكن المرأة هي وحدها من عانى من هذا التغيير كما يراه البعض ويصوره الإعلام الداخلي المعتمد على الاعلام الخارجي في مصادره ومفاهيمه في الاحكام التي يصدرها بحسب قيم الاقوياء في العالم في الآونة الأخيرة، متناسين أن القانون الذي يحمي المرأة هو نفسه الذي يحمي جميع الفئات في المجتمع.
صحيح أن هموم المرأة الآن في مجتمعنا أكثر وأعنف من أي فترة مضت في التاريخ، لأنها فقدت الكثير من حقوقها في مقابل التغييرات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع، ففقدت ما منحته لها الشريعة بسبب تغير المفاهيم التي كانت سائدة في النظام القبلي والأسري الذي كان يمدها بالحماية والرعاية، وأصبحت مطالبة بإعالة الاسرة اقتصادياً لتصبح عبئاً إضافياً إلى مسؤوليتها الأسرية، وإنكار حقوقها المكتسبة لهذه المسؤولية المضاعفة المتمثلة في الاحترام وعدم الاستغلال لوضعها كشريكة في إعالة الأسرة، ما أدى إلى انتشار المشكلات النفسية والاجتماعية وازدياد حالات الطلاق باللجوء الى المحاكم ومايتبعه من نفقة وحق في حضانة الأبناء، ومما زاد الأمر سوءاً أن حلول هذه المشكلات لم تعد من مسؤوليات الأسرة بسبب تفكك المجتمع وعدم وجود الحماية الأسرية والتلاحم داخل إطار الأسرة المنهمكة لكسب الربح المادي السريع والركض وراء المظاهر الاجتماعية التي استنزفت مدخرات الأسرة الأخلاقية والمادية. وساد طغيان المصالح الشخصية على القوانين وعدم تطبيقها على أفراد المجتمع سواسية، وانتشار المحسوبية والرشوة والتسلق على حساب مصالح الآخرين والفساد، فنتج عنه اختلال في توازن المجتمع ممازاد من هموم المرأة ومسؤولياتها الأسرية والخارجية في العمل وتعرضها للرياح التي تهب عليها من العالم الخارجي، ومحاولة إرضاء المتطلبات الحديثة المتأثرة في صورة المرأة المغرية المصورة في الإعلام وما يستهلكه ذلك من موازنات لعمليات التجميل والتجمل (التي كثيراً ما تؤدي الى نتائج عكسية من تشويه خلقي او وفاة تدفع ثمنها المرأة) وغالباً ما تكون سبباً في الخلل النفسي الذي يبعدها عن ذاتها الحقيقية.

فالمرأة الآن تعاني من عوامل متعددة، فمن الجانب الاجتماعي، نجد أن هذه المعاناة تمس المجتمع ككل وهي متمثلة في وتيرة التغيير السريع في القيم جراء الأحداث المتسارعة والمفاجئة في محيطه والعالم من حوله وعدم تهيئته لمواكبتها والتناغم مع قوانينها المفروضة عليه. ومن الجانب الشخصي انساقت المرأة مع الإعلام الاستهلاكي المادي المضلل والمركز على غسل الدماغ الجماعي الذي تجهل أبعاده لعدم تأهيلها وتمكينها من ذلك. أما معاناتها القانونية فتمثلت في قبولها بما هو أقل من حقها الشرعي لجهلها بطلب حقها من التشريعات التي وجدت لحمايتها بسبب استغلال حال اللاوعي والاتكالية التي تعيشها وانصرافها الى الكماليات عن الأساسيات، ما أدى الى استخفاف المجتمع بمطالبها واهتماماتها. وهذا يعني أن هناك نوعاً من الظلم فرضته المرأة على نفسها وآخر فرضته عليها قوانين العولمة الطاحنة لكرامة الفرد، وظلم يفرضه القوي على الضعيف.

إن الحديث عن هموم المرأة يتطلب إقرارنا بوجود أولويات لهذه الهموم حتى نتمكن من ايجاد حلول لها بأقل خسارة ممكنة وبأسرع وقت ومن دون تدخل الآخرين. فالأولويات في أي مجتمع تبدأ بإرساء الركائز التي تمثل حاجات الفرد الأساسية وتؤمن له حياةً كريمة في مجتمعه. فالأساسيات عادةً تبدأ بحق إطعام الفرد فحق ايوائه وحق تعليمه وعمله وحق حماية الضعيف من القوي أياً كان، لتجعل المجتمع مميزاً بالسمات الإنسانية التي انطلق منها الإسلام، وما يلي ذلك من حاجات هي مجرد كماليات تتطور مع تطور حاجات المجتمع وقيمه. وهذه الكماليات أمور نسبية تختلف بحسب المستويات الطبقية في المجتمع ومفاهيمه. فكماليات الطبقات الغنية تتناغم مع مفاهيمها وهي عادةً مفاهيم طبقية تتلاءم مع مظهرها الخارجي وتقبلها من المجتمعات الأخرى التي تحتك بها، وذلك يجعلها أول من يفقد الموروث التراثي والثقافي ويبعدها عن هموم مجتمعاتها وهي سمة مستحدثة على المجتمع السعودي بسبب انفتاحه على المجتمع الغربي ومجاراة إملاءاته التي أصبحت واضحة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر). أما الكماليات للطبقة الوسطى فهي أقرب لمطالب الطبقة الكادحة التي تكافح لتكفل لنفسها العيش بكرامة، وغالباً ما تكون من المهنيين والمتخصصين والمثقفين. أما الطبقة الفقيرة المعدمة فغالباً ما تكتفي وتكافح للحصول على الأساسيات إذا ما توافرت لها. وهذه الطبقة تحمل الموروث الثقافي من جيل الى جيل وتحافظ على التقاليد لارتباطها بالأرض وابتعادها عن الثقافات المختلفة وعدم الاختلاط بها. فيجب أن تكون هموم المرأة السعودية مصنفة بحسب انتمائها الاجتماعي والطبقي، وإلا فإن ذلك سيكون بعيداً عن الواقع، فمن غير المعقول أن تكون طموحات النساء اللاتي يفتقرن الى المسكن والعمل والملبس هي قيادة سيارة لا تملك حتى حق الحلم بامتلاكها. ولذلك يجب أن نطرح هذه الأسئلة على أنفسنا في ما يخص المطالبة بحق المرأة في قيادة السيارات: هي من حق أيٍ من هذه الفئات؟ وهل هي من الأساسيات أم الكماليات؟ وهل المرأة التي تفتقد الأساسيات تطالب بالكماليات؟ وهل النساء الطامحات إلى تغيير مجتمعاتهن قادرات على التواصل وفهم متطلبات وآمال الطبقات الكادحة اللاتي يمثلن الأكثرية في أي مجتمع، وهن بعيدات عن معرفة همومهن؟
عندما نتمكن من فهم متطلبات مجتمعنا ككل ونعمل معاً على توفيرها، عندها يمكننا تحديد أولوياته بواقعية من دون الوقوع في مصيدة القفز على المراحل، وبذلك نستطيع القول إننا وضعنا أقدامنا على أول درجات الوعي الاجتماعي الذي نفتقده في هذه المرحلة الحرجة من تاريخنا، لأنه ينقصنا الكثير من العزيمة والمنهجية في تشخيص مشكلاتنا وعدم إرتجال واختزال قضايانا التي هي نتيجة الفوضى الفكرية التي نعاني منها. فعلى رغم تزايد المؤسسات واللجان والمؤتمرات والحوارات التي بحثت وناقشت الكثير من أولويات مجتمعنا وبينت أن هنالك قضايا تهم مصير فئة الشبان الذين يمثلون الشريحة الأكبر والأخطر والمؤثر الأكبر في التنمية، التي هي قضايا ملحة ترتبط بالتعليم والبطالة والفراغ وانعدام الوعي والخوف من المستقبل في ظل غياب المؤسسات الاجتماعية التي تقدم الحلول الإيجابية في شكل برامج مستدامة قابلة للتنفيذ لتغيير المجتمع من مجتمع استهلاكي إلى منتج بالاعتماد على قيم ومفاهيم تعيد الاستقرار للمجتمع والوضوح في الرؤية للمستقبل.

لذلك فإن قضايا الشبان المتفجرة تتطلب الاهتمام الجاد واعتبارها أولوية اجتماعية وإعلامية تستحق إقامة مؤتمرات متخصصة ونداءات على المنابر لتجنيب المجتمع المخاطر الاجتماعية والاقتصادية والأمنية المقبلة.

المصدر<<<

بمثل هذه نفتخر